من هو ابن جبير؟

هو محمد بن أحمد بن جبير بن سعيد بن جبير، كان من أسرة عريقة سكنت الأندلس عام 123ه، أتم حفظ القرآن الكريم، ودرس علوم الدين وشغف بها وبرزت ميوله أيضاً في علم الحساب والعلوم اللغوية والأدبية، وأظهر مواهب شعرية ونثرية رشحته للعمل كاتباً. تعلم على يد أبيه وغيره من العلماء في عصره.

قرّر ابن جبير القيام بالحج، وزيارة مكة المكرمة والمدينة المنورة، ودوّن مشاهداته وملاحظاته في يوميات عرفت برحلة ابن جبير، وسميت باسم “تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار” والذي كتبه حوالي سنة 582 هـ/ 1186 م وتداوله الشرق والغرب حتى قام المؤرخ والمترجم الإنجليزى “ويليام رايت” بنشره وطباعته في كتاب جمع عدداً كبيراً من الرحلات لرحالة وحجاج عرب وأجانب مسلمين ومسيحيين ويهود عرف باسم  Early travellers in Palestine.

الاتجاه إلى خير البقاع

تعدّ رحلة ابن جبير إلى مكة، واحدة من أشهر رحلاته فقد دوّن الرحالة الأندلسي الكثير من المشاهد والأوصاف في تلك الرحلة. غادر ابن جبير غرناطة، راكباً البحر إلى الاسكندرية، ثم مُبحراً منها إلى جدة ثم إلى مكة المكرمة أخيراً، وظل في الجزيرة العربية قرابة 6 أشهر، وظلّ يكتب ويسجل كل التفاصيل التي تقابله على شكل مذكراتٍ يومية، فجمع كل مشهد وكل بلدة بالتاريخ واليوم والشهر، إذ لا تزال رحلته تلك من الرحلات ذات الشهرة المدوية إلى وقتنا الحاضر، وقد قال في بداية رحلته:

بدت لي أعلام بيت الهدى *** بمكةَ والنور باد عليه

دخول مكة

يصفُ ابن جبير دخلوهم إلى مكة، فيقول: “ودخلنا مكة، حرسها الله، في الساعة الأولى من يوم الخميس الثالث عشر لربيع المذكور، وهو الرابع من شهر أعشت، على باب العمرة، وكان إسراؤنا تلك الليلة المذكورة، والبدر قد ألقى على البسيطة شعاعه، والليل قد كشف عنا قناعه، والأصوات تصك الآذان بالتلبية من كل مكان، والألسنة تضج بالدعاء وتبتهل الله بالثناء، فتارة تشتد بالتلبية، وآونة تتضرع بالأدعية.فيما لها ليلة كانت في الحسن بيضة العقر، فهي عروس ليالي العمر وبكر بنيات الدهر”.

ابن جبير واصفاً أبواب الحرم

بعد دخوله إلى مكة، ظلّ ابن جبير مبهوراً بجمال وروعة ما يرى، فهو هنا يصفُ بشكلٍ دقيق تفاصيل وأسماء أبواب الحرم المكي في لك الزمن:

“للحرم تسعة عشر باباً أكثرها مفتح على أبواب كثيرة، حسبما يأتي ذكره إن شاء الله.

باب الصفا: يفتح على خمسة أبواب، وكان يسمى قديماً بباب بني مخزوم.

باب الخلقيين. ويسمى بباب جياد الأصفر مفتح على بابين، هو محدث.

باب العباس، رضي الله عنه: هو يفتح على ثلاثة أبواب.

باب علي، رضي الله عنه: مفتح على ثلاثة أبواب.

باب النبي، ﷺ الله عليه وسلم: يفتح على بابين.

باب صغير أيضاً بإزاء باب بني شيبة المذكور: لااسم له.

باب بني شيبة: وهو يفتح على ثلاثة أبواب، وهو باب بني عبد شمس، ومنه كان دخول الخلفاء.

باب دار الندوة: ثلاثة، البابان من دار الندوة منتظمان، والثالث في الركن الغربي من الدار.

فيكون عدد أبواب الحرم بهذا الباب المنفرد عشرين باباً.

باب صغير بإزاء بني شيبة شبه خوخة الأبواب: لااسم له، وقيل: انه يسمى باب الرباط، لأنه يدخل منه لرباط الصوفية.

باب صغير لدار العجلة: محدث.

باب السدة: واحد.

باب العمرة: واحد.

باب حزورة: على بابين.

باب ابراهيم، ﷺ : واحد.

باب ينسب لحزورة أيضاً: على بابين باب جياد الأكبر: على بابين.

باب جياد الأكبر أيضاً: على بابين.

باب ينسب لجياد أيضاً على بابين. ومنهم من ينسب البابين من هذه الأبواب الأربعة الجيادية الدقاقين، والروايات فيها تختلف، لكنا اجتهدنا في اثبات الأقرب من اسمائها الصحة، والله المستعان لارب سواه.

وباب ابراهيم، ﷺ، هو في زاوية كبيرة متسعة فيها دار المكناسي الفيه الذي كان إمام المالكية في الحرم، رحمه الله”.

بعضٌ من مآثر الحرم ومكة

ويحدثنا ابن جبير عن بعض المآثر والمشاهد التي استوقفته في الحرم ومكة بشكلٍ عام، فيقول:

“فمن مشاهدها التي عايناها قبة الوحي، وهي في دار خديجة أم المؤمنين، رضي الله عنها، وبها كان ابتناء النبي، ﷺ الله عليه وسلم، بها، وقبة صغيرة أيضاً في الدار المذكورة فيها كان مولد فاطمة الزهراء، رضي الله عنها، وفيها أيضاً ولدت سيدي شباب أهل الجنة: الحسن والحسين، رضي الله عنهما، وهذه المواضع المقدسة المذكورة مغلقة مصونة قد بنيت بناء يليق بمثلها. ومن مشاهدها الكريمة أيضاً مولد النبي، ﷺ الله عليه وسلم، والتربة الطاهرة التي هي أول تربة مست جسمه الظاهر، بني عليها مسجد لم ير أحفل بناء منه، أكثره ذهب منزل به. والموضع المقدس الذي سقط فيه، ﷺ الله عليه وسلم، ساعة الولادة السعيدة المباركة التي جعلها الله رحمة للأمة أجمعين محفوف بالفضة. فيا لها تربة شرفها الله بأن جعلها مسقط أطهر الأجسام ومولد خير الأنام، ﷺ الله عليه وعلى آله وأهله وأصحابه الكرام وسلم تسليماً. يفتح هذا الموضع المبارك فيدخله الناس كافة متبركين به في شهر ربيع الأول ويوم الاثنين منه، لأنه كان شهر مولد النبي، ﷺ الله عليه وسلم، وفي اليوم المذكور ولد،ﷺ الله عليه وسلم، وتفتح المواضع المقدسة المذكورة كلها. وهو يوم مشهود بمكة دائماً.

ومن مشاهدها الكريمة أيضاً دار الخيزران، وهي الدار التي كان النبي، ﷺ الله عليه وسلم، يعبد الله فيها سراً مع الطائفة الكريمة المبادرة للإسلام من أصحابه، رضي الله عنهم، حتى نشر الله الإسلام منها على يدي الفاروق عمر ابن الخطاب، رضي الله عنه، وكفى بهذه الفضيلة. ومن مشاهدها أيضاً دار أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، وهي اليوم دارسة الأثر، ويقابلها جدار فيه حجر مبارك يتبرك الناس بلمسه، يقال: إنه كان يسلم على النبي، ﷺ الله عليه وسلم، متى اجتاز عليه. وذكر أنه جاء يوماً، ﷺ الله عليه وسلم دار أبي بكر،رضي الله عنه، فنادى به ولم يكن حاضراً فأنطق الله عز وجل الحجر المذكور، وقال: يا رسول الله ليس بحاضر. وكانت إحدى آياته المعجزات، ﷺ الله عليه وسلم”.

“بركةُ البلدِ الأمين”

ويطنبُ ابن جبير في وصف مكة وأسواقها وممراتها الصغيرة، ويعجب من الخيرات والنِعم من الفواكه واللحوم التي يراها، وهي كما يرى أنها بسبب بركة النبي عليه الصلاة والسلام، فيقولُ واصفاً لحومها:

“وأما لحوم ضأنها فهناك العجب العجيب، قد وقع القطع من كل من تطوف على الآفاق وضرب نواحي الأقطار أنها أطيب لحم يؤكل في الدنيا. وما ذاك، والله أعلم، إلا لبركة مراعيها، هذا على افراط سمنه، ولو كان سواء من لحوم البلاد ينتهي ذلك المنتهى في السمن للفظته الأفواه زهماً ولعافته وتجنبته. والأمر في هذا بالضد، كلما ازداد سمناً زادت النفوس فيه رغبة والنفس له قبولاً، فتجده هنيئاً رخصاً يذوب في الفم قبل أن يلاك مضغاً، ويسرع لخفته عن المعدة انهضاماً. وما أرى ذلك إلا من الخواص الغريبة، وبركة البلد الأمين قد تكلفت بطيبه لا شك فيه. والخبر عنه يضيق عن الخبر له، والله يجعل فيه رزقاً لمن تشوق بلدته الحرام، وتمنى هذه المشاهد العظام، والمناسك الكرام، يعزته وقدرته”.