للحرمين الشريفين مكانةٌ عظيمة في نفس المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- فقد أخذت المملكة العربية السعودية على عاتقها خدمةَ ورعاية حجاج بيت الله الحرام والمعتمرين والزوار، منذ توحيدها على يد المؤسس وحتى وقتنا الحالي، وسخّرت جميع الإمكانات المادية والبشرية لخدمة ضيوف الرحمن، فقد اعتاد الملك عبدالعزيز سنوياً أن يقود مواكب الحجّ والإشراف عليها بنفسه؛ خدمةً للحجيج، ظلّ ذلك على مدى 30 عاماً من حياته حتى توفي رحمه الله تعالى، ولم يعتذر خلال تلك الفترة عن مواسم الحج إلا ست سنوات، كما يذكر عدد من الباحثين والمصادر التاريخية التي وثقت ذلك.

يُذكر أن الملك عبدالعزيز في العام 1360ه، قرر الذهاب إلى الحج، بهدف توفير المصاريف وتوزيعها للفقراء والمستحقين، إذ كانت الدولة حينها لم تنتعش من موارد النفط، ويذكر بحسب المؤرخين أن الأعوام التي تخلّف فيها الملك عبدالعزيز عن قيادة ركب الحجاج، أناب فيها اثنان هما: نائبه في الحجاز الملك فيصل بن عبدالعزيز، وأربع منها أناب ولي عهده الملك سعود، وكانت اثنتان منها لتوفير مصاريف الحج، وأربع منها لعجزه صحياً أواخر حياته.

تحتفظ دارة الملك عبدالعزيز ببرقيةٍ شهيرة، أعلن فيها الملك عبدالعزيز عن عدم حجّه وقيادة ركب الحجيج في عام 1360ه، وذلك لتخفيض المصاريف وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، وجاء في نصّ البرقية الصادرة في شهر ذي القعدة قبل الوقوف بعرفة بنحو شهر: “هذه السنة عزمنا على عدم الحج، والقصد من ذلك توفير المصاريف لأجل توزيعها على الفقراء والمحتاجين في البلاد، أحببنا نخبركم في ذلك لأجل تخبرون أطرافكم لئلا يستنكرون عدم حجنا، وهو ولله الحمد ما هنا سبب غير ما ذكر، والبادية وأهل الهجر اركبوا لهم وخبروهم وأهل البلد أعلنوا لهم ذلك“.

وتحتفظ الدّارة  أيضاً ببرقية أخرى ضمن وثائقها الرسمية، تعود إلى 4 ذي القعدة من عام 1360ه، بيّن فيها الأمير عبدالله الفيصل الذي كان أميراً للقصيم حينها، سبب عدم حج الملك عبدالعزيز، وجاء في نصّها: “من عبدالله بن فيصل إلى جناب الأخ المكرم محمد العبدالله بن ربيعان.. سلمه الله.. بعد السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، نفيدكم أن الإمام حفظه الله قد عزم هذه السنة عدم الحج بنفسه، وقصد من ذلك توفير المصاريف التي يصرفها كل سنة في مكة، لأجل توزيعها على مستحقيها من الفقراء والمساكين، وقد أمرنا أيضًا تبليغكم بذلك، نرجو أن يديم الله حياته للإسلام والمسلمين، هذا ما لزم تعريفه“.

كان الملك عبدالعزيز معتاداً على الحج رفقةَ الآلاف من الناس والفقراء والمعوزين، ومن لم يجدوا ركوباً، في حين أن سنة 1344 شهدت أول دخول للسيارات إلى مكة، وكان عددها قليل جداً، وهي السنة التي حج فيها الملك المؤسس على السيارات، وكان العدد لا يتجاوز ٤ سيارات، في حين حج الغالبية على الإبل والأقدام، ويعد هذا التاريخ، نقطة تحول في الوصول إلى مكة المكرمة عبر السيارات، وزاد العدد في السنة التالية، حتى تم تأسيس وزارة للمواصلات في عام 1372 قبيل وفاة المؤسس في الطائف بعد الحج، وهو يتابع عن قرب شؤون الحجاج، بعد أن بلغ به المرض مبلغاً صعباً أوائل سنة 1373 بعد حج 1372، في عام وصفه السعوديون بالحزين في ذلك الوقت.