الكاتب: صادق الشعلان

يأخذ الأديب محمد علي الشيخ بأيدي قرائه لرحلة معرفية حول الحج عبر كتابه (رجال وضوامر) -مكتبة كنوز المعرفة – مستعيناً بكُتبٍ منوعةٍ سخرها أصحابها بكل ما يُعنى ويتصل بركن الإسلام الخامس ، تناولها مؤلفنا الشيخ قراءةً وتحليلاً وتعليقاً ليعود بالقراء وقد أُنعموا بمعرفة قيمة حول هذه المناسبة الدينية العظيمة ، مزودين بمعلومات عميقة تفوق ما لقنته المدارس لهم.

كان أول الكتب التي تناولها الشيخ كتاب (مرافق الحج والخدمات المدنية للحجاج في الأراضي المقدسة من السنة الثامنة من الهجرة حتى سقوط الخلافة العباسية ) للدكتور سليمان عبدالغني مالكي ، نشرته دارة الملك عبدالعزيز والذي يورد فيه أن تضاريس الفقر إلى الماء كانت مُحركةَ دعاءٍ لقي استجابة حين دعا نبينا ابراهم عليه السلام “ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون” (ابراهيم 37).

وبيّن محمد علي الشيخ أن المؤلف خلص إلى مهمتين إثنتين أولهما :أن أهالي مكة المكرمة قد استنفذوا تماماً جميع إمكانيات البحث عن الماء في العصرين الجاهلي والإسلامي ، وثانيهما: استشرافه لمستقبل توفير الماء لتغطية حاجة مكة والمشاعر المقدسة بواسطة محطات التحلية وهو ما تحقق فعلاً ، مؤكداً أن قريش أكثر القبائل التي سكنت مكة إيضاحاً وتفصيلاً في تاريخها ، ويعتبر زعيمها قصي بن كلاب أول من وضع أُسس حكومة مكة وخدمة الحرم والحجاج وذلك عبر نهجٍ انتهجه لمسارين : الوظائف وهي الندوة واللواء والحجابة، والخدمات والتي تجلت في السقاية والرفادة ، وكما جاء واضحاً في خطبته لقريش ، وتوالى هذا الجهد عبر أبنائه هاشم وعبدالمطلب الذي حفر بئر زمزم بعد أن ظلت مطمورة منذ أواخر عهد خزاعة ومن ثم حفيده أبو طالب إلى أن فُتحت صفحة جديدة في تاريخ مكة وخدمات الحج بها.

وحول جزئية عنْونها مالكي “بخدمات الحجاج ومرافق الحج في مكة المكرمة” تحدث فيها عن جهود جُرهم وخزاعة في محاولة إيجاد الماء، والتي زادت مع قريش نظير زيادة عدد السكان والوافدين على مكة للحج ، فحُفرت العيون في رؤوس الجبال لتخزين مياه الامطار ومن ثم الاستفادة منها حيث أن أمطار مكة موسمية، وما تلاها ليس إلا إصلاح لهذه الآبار أو حفر جديد منها حتى سنة 89 للهجرة لم يرد – كما قال المؤلف- أي إصلاحات في آبار مكة باستثناء بئر زمزم الذي توقفت الجهود حوله مع عام 256 للهجرة ، وذكر مالكي عدداً من الآبار المشهورة آنذاك والتي بُنيت من العصر الجاهلي امتداداً للإسلامي ، إضافة للعيون وصولاً إلى مشروع عين زبيدة “ الذي لايزال باقياً حتى اليوم ، ينعم به سكان مكة وحجاج بيت الله الحرام” مشيراً إلى عدة عوامل كانت هذه المصادر مرهونة بقاؤها بها وهي بشريةٌ نظير الإهمال ، وطبيعيةٌ نتيجة السيول وما يعقبها من مضار طالت حتى المسجد الحرام.

وحول توفير الطعام بيّن الكتاب اعتماده على مصدرين : أساسي وثانوي مستمديْن من خارج مكة المكرمة ونظير التعامل التجاري الذي تعتمد عليه مكة ، فحُمل الطعام بأنواعه إليها وزادت وتيرة التجارة مع اتساع رقعة الدولة الاسلامية ، متطرقاً إلى الزراعة والتي كانت ضمن حدود المناطق ذات التربة الخصبة وكذلك مدينة الطائف مع وقوع هذين المجالين ضمن ما تفرزه حالة الجفاف والنزاعات الخارجية.

وكون الحجاج في حاجة السكن والذي وُصف بالنموذج التاريخي الفريد في فعل قريش فلقد كان لكل أسرة قرشية حيها الخاص المُعين تؤوي فيه من يفد من القبائل العربية الحليفة في موسم الحج وما عداهم يقيمون خيامهم خارج مكة ، وكان أن منع خلفاء بني العباس أهل مكة من إيجار بيوتهم على الحجاج ،وعندما قلت الأُعطيات التي كانت تُوهب لأهل مكة بدأوا بطلب إيجار دورهم، فقام بعض التجار والأمراء والسلاطين ببناء الأربطة لإسكان الفقراء من الحجاج في حركة نشطة ، وقد سرد الباحث أسماء أقدم هذه الأربطة ، ليس هذا فحسب بل قامت مدارس في مكة بدور مماثل حيث كانت ملتقى للعلماء من كافة الأقطار الإسلامية ، وكذلك خُصصت لاستقبال ضيوف أمير مكة وأمراء الحج فترة المواسم ، وحظيت هذه المدارس باهتمام الخلفاء العباسيين وأدرج الكتاب نقلا عن المؤَلَف أسماء عدد منها.

وتحت عنوان “خدمات الحجاج ومرافق الحج في أمكنة المشاعر” ذكر الشيخ نقلاً عن المؤلف اعتماد السكن في الأماكن المقدسة عرفة ومنى ومزدلفة على الخيام والتي هي محل تقدير جهود أهل مكة في السالف من الآوان “إن الخيام هي الظلال الوحيدة التي يعُدها أهل مكة للحجاج أينما نزلوا في المشاعر الثلاث باستثناء منى التي توجد بها بعض الأبنية من العصر الجاهلي ، وأخرى أُقيمت لغرض نزول أمراء الركبان والخلفاء وحاشيتهم ، ولعل طول الإقامة بها ما ميزها عن غيرها” ، أما موارد الماء “فتعتمد اعتماداً شبه كلي على الآبار القديمة والتي حُفر معظمها في العصر الجاهلي حيث توالت الجهود على إصلاحها وحفر النزر القليل منها فإن هذه الفترة لا تسجل إنجازاتٍ تتعدى إصلاح هذه الآبار “لعقم المحاولة وليس التقصير” إضافة إلى حمل الماء إلى المشاعر عبر السقائيين وإحضارها عبر الدواب.

وكان الامن الغذائي للحجاج مرهوناً بأُعطيات الخلفاء لولاة مكة ، فمع استقرار السلطة في مكة للدولة الإسلامية أضحى إعداد الطعام للحجاج وخاصة في عرفة تقليداً اسلامياً ، إلا أنه ظل رهين الحالة العامة وما يصحبها من استقرار واضطراب فكانت تستمر حيناً وتتوقف حيناً ووصلت في فترة من الفترات إلى حرمان الحاج من حجه إن لم يدفع ما عليه من أُجرة وهو ما يسمى المكوس ، إلا أن هناك بوادر خير قام بها ولاة وسلاطين في سبيل إطعام الحاج ودفع النقود لأجل ذلك وأوردها مالكي مع ذكر أصحابها.

وختم مالكي مُؤَلّفه وكما أورده الشيخ على ذِكر خدمات الحجاج في المدينة المنورة سواء من حيث التكفل بإطعامهم ورعايتهم وتخفيف تعب المسافة الطويلة من مكة إلى المدينة وتهيأته بشكل يقاوم مشقتها.

أيضاً كان مما استعان به الشيخ في اصداره قراءة في كتاب “دور الحج في إثراء الحركة العلمية في الحرمين الشريفين في عهد الراشدين والأمويين “ للدكتور حجازي علي طراوة – مكتبة زهراء الشرق- حيث بدأ بأول محور “ أساسات الحركة العلمية في الحرمين الشريفين”والتي أشار فيها الباحث إلى أساسين رئيسين في نمو الحركة العلمية في الحرمين الشريفين الأول : يتعلق بمكانة مكة المكرمة والمدينة المنورة، وكيف أن مكة نقطة التقاء ومركزاً للتجمع الإسلامي خاصة في الحج ، والمدينة المنورة مهجر النبي صلى الله عليه وسلم ومنبع التشريع الإسلامي، أما الأساس الثاني فنلخصه بالتالي وكما سجله الشيخ حرص الخلفاء والأمراء على اصطحاب العلماء معهم ، وعقد المناظرات بينهم في موسم الحج، وأن كثيراً من أمراء الحج كانوا من حملة العلم مما جعل العديد من طلاب العلم يحرصون على اتباعهم والاستفادة منهم ، كذلك أن بعض من العلماء ممن عجزوا عن حضور الحج لمرض أو لأي سبب طالما كانوا يُوصُون تلامذتهم الحجاج بالتعرف على سلوك وملابس العلماء في الموسم ليقتدوا بهم .

كذلك حرص طلاب العلم على أخذ العلم من اهل الحرمين أو ممن يشهدون موسم الحج ، وأيضا أن بعض طلاب العلم لم يكونوا يقصدون الحرمين الشريفين بنية أداء فريضة الحج وإنما للقاء العلماء المشهورين وحضور حلقاتهم. ، إضافة أن موسم الحج كان مجالاً لتقييم العلماء والذي شبهه المؤلف بسوق عكاظ . وعبر عنوان “دور الحج في إثراء الحركة العلمية” أورد الدكتور طراوة وكما نقله الشيخ الإسهام الذي قام به الحج في إثراء علم القراءات وكيف أن الحجيج نقلوا بعض القراءات عن أمراء الحج ، وكذلك أن بعض الحجيج يحضرون مواسم الحج ليعرضوا ما نقلوه من قراءات ، وأن الصحابة كانوا حريصين أن يؤم بالناس فصيح اللسان.

كما كان للحج دور كبير في إثراء علم التفسير ، وعلم الفقه والفتوى ، علم الحديث ، المذاهب والأراء حيث كان موسم الحج مناسبة ثمينة للاستقطاب أو للبحث عن صوابية المُعتقد ، وأيضا إثراء التاريخ الإسلامي (المغازي والسير) حيث أجمع المؤرخون -وكما أورده الشيخ- أن السيرة هي البوابة التي دخل منها المسلمون إلى دراسة التاريخ ، وعلم الأنساب حيث كان للبعض أثرٌ في موسم الحج ، وعلم الأدب ، وعلم الطب وكيف أن موسم الحج كان يغشاه الأطباء من الرجال والنساء.

يُحسب للمؤلف محمد علي الشيخ الإثراء الذي أتسم به إصداره و عبر قراءته وتطرقه لما جاء في عدة كتب أخرى غير ما ذُكر سابقا ، ففي كتاب “إمارة الحج في مصر العثمانية” للدكتورة سميرة فهمي علي عمر كان مما تطرقت له قافلة أمير الحج في مصر العثمانية مُعللة وقوع هذه المهمة في حيز الصراعات لنيلها ،متطرقةً إلى قافلة الحج وتكوينها مما يُسمى المحمل ، والموظفون من معاوني أمير الحج إلى موظفين مختصين بخدمة القافلة ، مروراً بأحمال القافلة والجمال والجمالة وطريق الحج المصري ، وموارد الصرف على الحرمين الشريفين ، ليضم الشيخ إلى قافلة الكتب السابقة كتاب “قافلة الحاج الشامي في شرقي الأردن في العهد العثماني” للمؤلف الدكتور مأمون أصلان بني يونس تناول فيه قافلة الحج الشامي وما يصحبها من مراسم ، وتمويل ، وطريق سيرها لحين وصولها مكة.

وختم محمد علي الشيخ كتابه بعدة كتب من الممكن اختزالها ضمن نطاق المذكرات كتبها أصحابها وهي” جسر الجمرات للدكتور مصطفى عبدالغني، الرحلة الحجازية لولي النعم الحاج عباس حلمي الثاني خديوي مصر للمؤلف محمد لبيب البتنوني ، ورحلتي إلى مكة للدكتور جيل- جرفيه كورتلمون وترجمها الأستاذ الدكتور محمد محمد أحمد ، وكتاب قشه في الميقات… رحلة مثقف إلى الحج للمؤلف جلال أل أحمد وترجمها حيدر نجف” إلى آخر ما أورده والتي حفيٌّ أن تكون في يدِ كل قارىء.

اتسم الكتاب بأسلوب سردي ماتع استعان فيها الشيخ بقدراته الكتابية فجعل منه كتاباً صغيراً في حجمه عظيماً بمحتواه جمع المعرفة والأسلوب الشيق الماتع ، والذي يُحيلنا إلى ما كتبه الدكتور يوسف العارف في مقدمته للكتاب “والآن يعرض عليَ هذا السفر العظيم المتعلق بالكتب ذات الصلة بالحج ، فأجد روحاً إبداعيةً خلاقة ، وفكرةً بحثيةً مدهشةً وجذابةً، إهتدى إليها زميلنا المؤلف فقرأ الحج ودياره وأحواله من خلال مؤلفات لا تتحدث عنه كمناسك وشعائر وعبادات، وإنما من حيث هو مجالات وفضاءات وإحصاءات وطرق وقوافل ورحلات”.