رغم مضي 14 قرناً على ظهور رسالة الإسلام العظيمة، إلا أن جهود الباحثين ودراساتهم لم تتوقف لسبر أغوار هذا الدين الحنيف. ولا يختلف الباحثون في شؤون الإسلام من غير العرب والمسلمين، على أن الحج لايزال يشكل لغزاً مبهراً وكبيراً أمامهم، يغريهم بالمزيد من الغوص والبحث، لاسيما في العقود الاخيرة، مع تقدم تقنيات الصوت والصورة والتواصل، إذ يخطف هذا المشهد الجليل لوقوف الحجيج من مختلف أرجاء المعمورة على صعيد عرفات بلباسٍ موحّد يخطف أبصارهم وعقولهم، على مدى تطور الدولة السعودية ظلّ الغربيون يتقاطرون على مكة المكرمة من قبل قيام الدولة السعودية الثالثة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، وقيل إن عددًا منهم اعتنق الإسلام، وفقًا لما أوردته أبحاث موسوعة الحج والحرمين الشريفين.

عمل المفكر (أحمد محمد محمود) على رصد كثير مما كتبه أولئك الرحالة في كتابه المعنون بـ (جمهرة الرحلات) قُسّم إلى ثمانية أجزاء، وخصّص الجزء الثالث منه لرحلات مكة المكرمة والمدينة المنورة، كما تناول في عدد من أجزائه ما كتبه رحالة أجانب عن أمراء وأئمة الدولة السعودية الأولى والثانية، وما يتمتعون به من خصال الحنكة، والاعتدال، والشجاعة مثلما كتب المستشرق الإنجليزي “ديفيد هوجارث”، ومبعوث المقيم البريطاني في البصرة “رينو” الذي التقى الإمام عبدالعزيز بن محمد بن سعود عام 1799.

وتشير موسوعة الحج والحرمين الشريفين إلى أن الرحالة وثقوا جوانب متعددة من شخصية الملك عبدالعزيز وجهوده في خدمة الحجاج والمشاعر المقدسة، حيث زار بعضهم الملك عبدالعزيز في ديوانه الملكي، واستمعوا إلى حديثه، وشاهدوا أسلوبه وطريقته وسياسته، وأعجبوا بتميز قيادته حين استطاع توحيد كيان الجزيرة العربية تحت مسمى (المملكة العربية السعودية) وسط صعوبات داخلية وخارجية أحاطت به.

ومن بين ما ذكره الرحالة، ما أورده وليم شكسبير في رحلته التي أبرز فيها ما دار في لقائه بالملك عبدالعزيز عام 1911، وما كتبه الإنجليزي جيرالد إيفلين ليتشمان عن رحلته للجزيرة العربية عام 1909 ثم إلى مدينة الرياض عام 1912، ورحلات أمين الريحاني التي كانت بعنوان (ملوك العرب:رحلة في البلاد العربية)، بالإضافة إلى رحلة الدكتور بول هاريسون الذي زار المملكة هو وزوجته عام 1941، والتقى الملك عبدالعزيز، وقال عنه: لقد كان الملك عبدالعزيز حكيمًا في مواقفه”، ورحلة ديكسون للرياض في كتابه بعنوان (الكويت جارتها)، حيث وصف الملك عبدالعزيز بأنه أكبر استراتيجي عرفته الجزيرة العربية في هذا القرن.

وعلى صعيدٍ آخر يقول الباحث خالد الطويلي: “أول من ادّعى الوصول إلى مكة المكرمة من المستشرقين هو جون كابوت عام 1480م، أي قبل 12 عاماً من سقوط الأندلس واكتشاف أميركا، أما أول سجلّ وصلنا حول رحلة مستشرق إلى الحج فكان حول رجل إيطالي يدعى لودفيجودي فارتيما عام 1503م، دخل مكة بوصفه جندياً في حرس المماليك، وانتحل اسم يونس المصري». ويذكر فارتيما أن مكة المكرمة لم تكن مسوّرة، لأن أسوارها هي الجبال الطبيعية التي تحيط بها، ولها أربعة مداخل، ويقول عن كثرة الحجاج إنّه لم يجد مطلقاً، من قبل، مثل هذا العدد من الناس يجتمع في بقعة واحدة من الأرض. وعن المسجد الحرام يقول: “إن مركز مكة المكرمة يوجد فيه (معبد) جميل جداً، مبني من اللبن المشوي، وله مائة باب”.

ومن الرحالة الذين كتبوا عن الحج، ليوبولد بن كيفا فايس الذي أسلم فيما بعد وأطلق على نفسه اسم (محمد أسد) في كتابه (الطريق إلى مكة)، والإنجليزي الدون روتر في كتابه (المدن المقدسة)، ومحمد أمين التميمي في كتابه (لماذا أحببت ابن سعود؟)، و الهندي غلام رسول مهر في كتابه (يوميات رحلة إلى الحجاز) و جيرالد دي جوري الذي ألف كتابًا عام 1934 بعنوان (اللقاء مع عملاق في حجم جبل).

وقدّم الرحالة الياباني (تاكيشي سوزوكي) كتابًا عام 1935 بعنوان (ياباني في مكة) تناول فيه زيارته لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة بعد أن أسلم وأطلق على نفسه (محمد صالح)، كما تحدث عن واقع الحياة في عهد الملك عبدالعزيز، والتقى الملك عبدالعزيز عام 1938م وقال عنه : “إنه رجل لا يقهر”.

والرحالة السويسري جون لويس بيركهارت، الذي يعد من أشهر رحالي القرن التاسع عشر، والذي شارك في موسم الحج، متخفياً تحت اسم مستعار وهو «الشيخ إبراهيم»، وقد وصل الى جدة عام 1814م. وسار منها إلى الطائف لمقابلة الخديوي محمد علي باشا، ثم قصد مكة المكرمة لأداء فريضة الحج.

في يوليو 1853م، وصل البريطاني السير ريتشارد فرنسيس بيرتون إلى المدينة المنورة متنكراً باسم «الحاج عبداللّه»، ليعد هو الآخر أحد أبرز الرحّالة الأوروبيين الذين قدموا الى الشرق ودرسوا عادات أهله وثقافتهم. وفي طريقه كان بيرتون يعمل على إتقان دوره كمسلم في تفاصيل الحياة اليومية، منتحلاً شخصية نبيل فارسي بداية الأمر، ثمّ شخصية درويش متجوّل، وكتب الكثير بانبهار عن تشكيلات خدم الحرم النبوي في المدينة المنورة، وقال عن مكة المكرمة حينما وصلها لأول مرة إنه على الرغم من أنه لم يجد فيها ذلك الجمال الرشيق المتناسق الذي يتجلّى في آثار اليونان وإيطاليا، ولا الفخامة المعروفة في أبنية الهند، إلا أنه “لم ير مثل هذه المهابة في أي مكان آخر”.