يُمثّل أدب الرحلة نوعاً من أنواع الكتابة الأدبية، وفنًّا من فنونها البديعة الزاخرة، وذلك لما يحويه من إمتاع ومؤانسة، وطرافة وجمال، يفصح عن طبائع الأقوام، وأحوال الإنسان، وجمال الطبيعة، وغير ذلك من فوائد ومعانٍ يندر اجتماعها في موضع آخر؛ ولذلك وجد أدب الرحلة إقبالاً كبيرا من قِبل الباحثين على اختلاف تخصصاتهم، ومردُّ ذلك عائد إلى تنوع المظاهر التي يُعنى أدب الرحلة برصدها وتدوينها بداية من الشؤون الدينية، والأوضاع الاجتماعية، والصراعات السياسية، والأزمات الاقتصادية، والأحوال العلمية.

ومع اقتراب موسم الحج، فإن الترابط بينه وبين أدب الرحلة عظيم وغزير، ومكاتبنا الإسلامية والعربية تزخر بالعديد من المؤلفات التي تتناول الرحلات إلى الحج ومكة بشكلٍ عام، فالحجّ يجسّد علاقة مفتوحة بين الأرض والسماء، فلم يجتمع الحجيج بأمر من زعامة بشرية أو قيادة أرضية، أو بتوجيه من كهنوت ديني أو طبقية علمائية، أو خضوعاً لواسطة روحية أو هيْمنة صنمية. ثمّ إنهم يعيشون الحجّ بتجرّد مناسِكِه وبساطتِها واتِّضاحِها بلا حاجة إلى وسيطٍ تأويلي يزعم فكّ الطلاسم أو شرح الأسرار، حُقّ لمناسك الحج أن تصفع وَعيَ الطّغاة والمستبدّين والمستكبرين ومَن استبدّت بهم أوهامُ العظمة والتفرّد؛ إذ لا يرَوْن الجماهير الغفيرة في هذا الموقف العظيم الذي لا نظير له تهتف بأسمائهم أو ترفع صورَهم، فهي تتوجّه بالدعاء إلى من بيَده الأمر كلّه؛ قيوم السماوات والأرض.

وقد تنوعت الكتب ما بين التوثيق للرحلة، ومراحلها، ومشاعرها، وخواطرها، وما بين الكتابة عن معالم الحج، والوصف للأماكن المقدسة، والتاريخ للحجاز وعلمائه، وأهله، وأنشطتهم، ومن كثرة ما كتب في أدب الرحلة في الحج، ظهرت كتب ترصد ما كتب في هذا المجال، ومنها:

  • “أشهر رحلات الحج” للعلامة حمد الجاسر.
  • “المختار من الرّحلات الحجازية إلى مكة والمدينة النَّبوية” للأستاذ محمد بن حسن الشريف.
  • “رحلات الحج” للأستاذ أحمد محمد محمود.
  • “رحلات الحج في عيون الرحالة وكتابات الأدباء والمؤرخين” للمؤرخ عبدالله بن حمد الحقيل.
  • “رحلة الرحلات: مكة في مئة رحلة مغربية ورحلة” للمؤرخ المغربي عبدالهادي التازي.
  • “لبيك اللهم لبيك: 365 صور ومشاهد من الحج” للشاعر الإماراتي محمد السويدي.
  • “الرحلات الحجازية المغاربية: المغاربة في الأعلام في البلد الحرام” للأكاديمي الجزائري حفناوي بعلي.
  • “ألف طريق إلى مكة” للمخرج الأمريكي مايكل وولف

ومن أبرز، الأدباء الذين كتبوا عن رحلتهم للحج، “أحمد حسن الزيات” في مقال نشرته “مجلة الرسالة” بعنوان “في أرض الحجاز”،  ربط فيه بين الحج وبين التحرر من الاستعمار، وقال:” إن في كل بقعة من بقاع الحجاز أثراً للتضحية ورمزاً للبطولة، فالحج إليها إيحاء بالعزة، وحفز إلى السمو، وحث على التحرر”.

وكتب الأمير “شكيب أرسلان” كتابا مهما بعنوان ” الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف”، والذي صدر عام (1931م)، بعد عامين من حجه وكانت رحلة عميقة التأثير في نفسه، إذ كان الرجل مطرودا إلى سويسرا بسبب مقاومته للاستعمار الإنجليزي والفرنسي للبلاد العربية، فذهب من لوزان بسويسرا إلى مكة، لذا أحس بمشاعر النبي-صلى الله عليه وسلم- عندما هاجر من مكة إلى المدينة، فجاء الكتاب مفعما بالإحساس المرهف، وقال الشيخ محمد رشيج رضا في تقديمه للكتاب:”وأنا أعلم علم اليقين أن جميع الدول الاستعمارية تمقت قيام المسلمين بهذه الفريضة، وتتعاون على صدهم عنها بما تستطيع من حول وحيلة”.

وكتب الأديب “إبراهيم المازني” عن رحلته عام 1930، كتاب “رحلة الحجاز”، وهو خواطر أدبية حول الحج والرحالة، مليئة بالطرائف، وكذلك كتاب “الرحلة الحجازية” لمحمد لبيب البتنوني، وهو كتاب يصف رحلة الخديوي عباس حلمي الثاني إلى الحجاز عام (1910م) ، وما جعله متميزا عن غيره من كتب رحلات الحج، أنه كثيف في معلوماته، ودقيق في وصفه ومشاهداته، كما أن يحوي على خرائط وصور نادرة للأماكن المقدسة، ونظرا لقيمته، فقد قررته وزارة المعارف المصرية على طلاب مدارسها، ومن الكتب التي صدرت في عام 1936م كتاب “رحلتي إلى الحجاز” للسيد محيي الدين رضا، وكان يعمل محررا جريدة المقطم المصرية.

أما الشيخ والأديب علي الطنطاوي فكتب عن رحلته مع الوفد السوري إلى الحج في كتابه “إلى أرض النبوة” ، عام 1934، في رحلة استغرقت ثمانية وخمسون يوما، على متن الحافلات، التي كانت في بداية استخدامها في ذلك الوقت، وبأسلوب أدبي إيماني كتب الطنطاوي رحلته من بدايتها حتى عودته.