النشأة:

من قرية أشافنبورغ، وفي صبيحة يوم 6 يوليو من العام 1931 ولد المفكر الإسلامي “مراد ويلفريد هوفمان لعائلة كاثوليكية، كان منتمياً إلى شبيبة هتلر عندما كان في سن التاسعة من العمر، ولكن إلى جانب ذلك كان منتمياً إلى عصبة محظورة مناهضة للنازية في ذات الوقت، بدأ بدراسة القانون بعد حصوله على شهادة البكالوريس في ميونخ، وحصل بعدها على شهادة الدكتوراة في القانون. وعمل لسنوات طويلة ناقداً لفن الباليه في مجلات متخصصة. عمل منذ الخمسينيات في سفارة ألمانيا الاتحادية في الجزائر، وهذا جعله يشاهد عن قُرب الثورة الجزائرية التي يبدو أنها أثارت اهتمامه الشديد ودفعته للتأمل والبحث عن الإسلام.

“أهم شخصية مسلمة في ألمانيا”:

في العام 1980 اعتنق هوفمان الإسلام، وكان إسلامه موضع جدل بسبب منصبه الرّفيع في الحكومة الألمانية، حيث عمل خبيراً في مجال الدّفاع النّووي في وزارة الخارجية الألمانية.

زار مكة عدة مرات، وقام بأداء فريضة الحج مرتين (1992 و 2003). وألقى الكثير من المحاضرات في أوروبا الغربية والولايات المتحدة والعالم الإسلامي. كما كان عضواً كامل العضوية في مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي في عمان، ومستشاراً وعضواً فخرياً في المجلس المركزي للمسلمين في ألمانيا، وعضواً في المجلس الشرعي لمصرف البوسنة الدولي في سراييفو. من 1994 إلى 2008 ألقى حوالي 350 محاضرة حول مواضيع إسلامية في 31 دولة.

وفي عام 2008 اُختير من قراء المجلة الإسلامية ليصبح “أهم شخصية مسلمة في ألمانيا”، وفي عام 2009 سُمي “شخصية العام الإسلامية” في دبي. في أعوام 2009 و 2010 و 2011 و 2017 تم إدراجه في قائمة أهم 500 شخصية مسلمة في العالم من قبل مركز الأمير الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي بجامعة جورج تاون ومركز الدراسات الاستراتيجية الإسلامية في الأردن.

الكتب والمؤلفات:

 لدى هوفمان العديد من الكتب التي تتناول مستقبل الإسلام في إطار الحضارة الغربية وأوروبا، ولعل أبرزها: (مذكرات ألماني مسلم، رحلة إلى مكة، الإسلام كبديل، الإسلام عام 2000، الإسلام في الألفية الثالثة، ديانة في صعود، خواء الذات والأدمغة المستعمرة)

مكة والحج.. بعينيّ هوفمان:

 يروي مراد هوفمان تجربته الروحيّة في رحلة الحج في كتابه “رحلة إلى مكّة” والتي جاءت على صورة حكايات وصُور لذكرياته في الحج، وتأملاته في هذا الركن الذي حاول استنطاقه بصورة جمالية تُجلّي فلسفته وعمقه، في البداية، يشير هوفمان إلى ضرورة “الإعداد الروحي” لهذه الرحلة، موضحاً أن أهم شيء فيما يتعلق بذلك هو “دراسة آيات القرآن المتفرقات عن الحج في سورتي البقرة والحج، وكذا حفظ أحاديث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الكثيرة التي تتناول الحج”.

ويرى هوفمان أن الصبر والأناة والانضباط من أهم القيم التي تغرسها مناسك الحج في نفس المؤمن، فيقول: “على الحاج أن يتحلى بالصبر، وأن يتفادى الدخول في خلاف أو حتى الشروع فيه؛ ناهيك عن أنه محرّم عليه أن يجرح شخصا أو شيئا أو أن يقتلع نباتا أو حتى يقتل بعوضة”.

يذكر أنه “عندما تحاول سيارات الأجرة الفارهة، التي تُقل بعض الحجاج، اختراق حشود المسلمين، لا تسمع كلمة غاضبة، ولا تصدر إشارة قبيحة، ولا أحد يضرب بيده على السيارة حقدا على أصحابها. ويبقى الانضباط والالتزام بهذا السلوك من جانب هذا الحشد من المسلمين مثيراً للدهشة، حتى بالنظر إلى التزام الحجاج بمسالمة الإنسان والحيوان والنبات. ولم أكن أعتقد قبل هذه التجربة أن التعاليم الدينية تستطيع أن تلغي بعض القوانين والقواعد الاجتماعية مدة من الزمن”.

وبالنسبة لملابس الإحرام، يرى هوفمان إلى أن “أهم ما في الأمر هو أن الحجاج كافة يرتدون الثياب نفسها، يستوي في ذلك أغنياؤهم وفقراؤهم، أقوياؤهم وضعفاؤهم، أذكياؤهم وبسطاؤهم، كبيرهم وصغيرهم. ولما كانت ملابس الإحرام خالية من النقوش أو الخياطات، فلا يمكن لأحد أن يتميز عن آخر، ولو بمجرد الخياطة الأنظف. ولا ترمز ملابس الإحرام فقط إلى تساوي البشر أمام الله، وإنما ترمز أيضا إلى يوم القيامة؛ فلقد كنا نبدو -ونحن نقطع صالة المطار جيئة وذهابا- كمن قام من الموت وما زال يرتدي كفنه، بل إن كثيرا من الحجاج يحتفظون بملابس الإحرام لتكون أكفانا لهم”.

يضيف قائلا: “ولا تخلو شعائر الحج رغم ما تتطلبه من طاقة بدنية، وما تسببه من جهد ومشقة.. لا تخلو من لمحات جمالية تأسر النفس، وتُذهب عنها الألم والتعب، فضلا عما تمثله من زاد روحي وإيماني”. وهنا يتوقف هوفمان أمام مشهد الطواف ليلاحظ أنه مشهد “شديد الجمال؛ فالكعبة تبدو مركزا ثابتا لا يتحرك لأسطوانة تدور ببطء وفي سكون تام في اتجاه مضاد لاتجاه عقارب الساعة. ولا يتغير هذا المشهد إلا عند الصلاة؛ حيث تصير الكعبة مركزا لدوائر عديدة متحدة المركز، تتكون من الآلاف من أجسام ناصعة البياض لأناس يرغبون في شيء واحد، ويبحثون عن شيء واحد، ويفعلون شيئا واحدا؛ رمزا لتسليم النفس إلى بارئها”.

يوماً للتأمل والسلام:

أما يوم عرفة الذي هو ركن الحج الأكبر، فيصف جماله ليقول: “كان يوماً طويلاً رائعاً، كان يوماً للتأمل والسلام، يوما للصلاة وللأحاديث القيمة. لم أكن منذ كنت أمارس التمارين الجيزويتية -فرقة دينية المسيحية- في سنوات الصبا قد عايشت مثل هذا التوجه الكامل إلى الله بكل هذا الصفاء الداخلي الباهر، فلا شيء يوم عرفة سوى مناجاته. وهنا يتجسد نداؤنا الدائم: لبيك اللهم لبيك. هذا إذن هو معنى الوقوف بين يدي الله بعرفات؛ ملايين من الناس يتشحون بأكفان ويتركون في هذا اليوم كل شيء وراء ظهورهم، فوجودهم اليوم مكرس لله وحده، يتوقعون موتهم، يصلّون ويتضرعون في خشوع ويقين لم يحدث من قبل، ولن يحدث في الغالب من بعد”.

ويشير هوفمان هنا إلى اختلاف طبيعة النظر الإسلاميّ والمسيحي إلى غيره من الأديان، فيقول: “إن شعائر الحج تربط المسلم بأبي الأنبياء إبراهيم -عليه السلام-، فهو الذي أمره الله برفع القواعد من البيت، وفي هذا ما يؤكد وحدة الرسالات السماوية، والترابط بين الأنبياء على اختلاف شرائعهم ومناهجهم”، وذلك خلافا للمنظور الكنسيّ. وتوضيحا لهذه الفكرة يقول هوفمان: “إن الكنائس المسيحية لا تعترف بسهولة بالشعائر اليهودية والوثنية التي تتضمنها طقوسها، إلا أن الإسلام لا يجد حرجا في الاعتراف بالأصول القديمة لشعائره. فمحمد -صلى الله عليه وسلم- لم يدّع مطلقا بأنه قد جاء بدين جديد، وإنما كانت رسالته تجديد وإتمام دين الله الواحد، أي التسليم والخضوع، أي الإسلام منذ الأزل”.

الصراع مع المرض:

توفي هوفمان –رحمه الله- يوم الاثنين الموافق 13 يناير 2020 في مدينة بون، عن عمر ناهز 89 عاماً، بعد صراع طويل مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً عظيماً للمسلمين من بعده.