للرحالة العربي الشهير ابن بطوطة العديدُ من المآثر والمشاهد التي وثّقها في كتابه (تحفظة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) خلال رحلاته من الشرق إلى الغرب، ومن أجمل ما كتب “أمير الرحالين المسلمين” المشاهدُ التي وصف بها رحلته للحج، ماراً بمكة المكرمة والمدينة المنورة، فكعادته يصفُ بشكلٍ سينمائي كل التفاصيل التي يراها، فقد كانت لابن بطوطة أربع رحلات إلى مكة، وسبع حجات، حيث صامَ فيها ثلاث رمضانات، فتحدث عن كل جزء منها تقريباً. ففي عام 726هـ/1326م خرج ابن بطوطة من مصر متوجهاً إلى دمشق بغرض الالتحاق بالشاميين في سيرهم إلى البقاع المشرفة في المدينة المنورة ومكة المكرمة، وقد وصف المشاق التي اعترضت سبيل القافلة.

على الرواحل.. من دمشق إلى المدينة:

لقد وصف صحراء الجزيرة العربية بعد مدينة معان في جنوب الأردن بأنها “التي يقال فيها: داخلها مفقود وخارجها مولود” وقد صدق في هذا الوصف؛ لوعورة الطريق، وخطر قطاعه، وشدة الحر، ورياح السموم التي أتت على القوافل في بعض السنين، فلم يفلت منها إلا القليل. لقد تمكن الركب الشامي ومعهم ابن بطوطة من دخول المدينة المنورة، وهو يصف المسجد النبوي قائلاً:

 “المسجد المعظم مستطيل تحفُّه من جهاته الأربع، بلاطات دائرة به، ووسطه صحن مفروش بالحصى والرمل، ويدور بالمسجد الشريف شارع مبلّط بالحجر المنحوتة، والرّوضة المقدسة صلوات الله وسلامه على ساكنها، في الجهة القبلية مما يلي الشرق من المسجد الكريم، وشكلها عجيب لا يتأتى تمثيله، وهي مؤزّرة بالرخام البديع النحت، الرائق النعت، قد علاها تضميخ المسك والطيب مع طول الأزمان، وفي الصفحة القبلية منها مِسمار فضة هو قبالة الوجه الكريم، وهناك يقفُ الناس للسلام مستقبلين الوجه الكريم، مستدبرين القبلة“.

 ويذكر ابن بطوطة أن إمام المسجد النبوي الشريف آنذاك كان الشيخ “بهاء الدين بن سلامة، من كبار أهل مصر، وينوب عنه العالم الصالح الزاهد بُغية المشايخ عز الدين الواسطي، نفع الله به، وكان يخطبُ قبله ويقضي بالمدينة الشريفة سراج الدين عُمر المصري”.

لقد وقف ابن بطوطة كثيرًا مع المدينة المنورة، ووصف المسجد النبوي وخدَمه، وراح ينقل بعض حكايا الناس، وهي حكايا تصف لنا الجانب الاجتماعي والثقافي الذي يعيشه أهالي المدينة المنورة في تلك الحقبة.

ابن بطوطة في مكة:

بعد خروجه من المدينة المنورة، توجّه ابن بطوطة والركب الذي معه صوب أطهر البقاع، وحين تراءت له نسائم مكة المكرمة بجبالها الشامخة، وشَمّ عبيرها وريحها، وتملّى من بعيد ببهائها، يصف ابن بطوطة ذلك الشعور فيقول:

“ومن عجائب صنع الله تعالى أنّه طبع القلوبَ على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبّها متمكنا في القلوب فلا يحلّها أحد إلا أخذت بمجامع قلبه، ولا يفارقها إلّا أسفا لفراقها، متولّها لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناويا لتكرار الوفادة عليها، فأرضها المباركة نصب الأعين، ومحبتها حشو القلوب حكمة من الله بالغة، وتصديقا لدعوة خليله عليه السلام، والشوق يحضرها وهي نائية، ويمثلها وهي غائبة، ويهون على قاصدها ما يلقاه من المشاقّ ويعانيه من العناء، وكم من ضعيف يرى الموت عيّانا دونها، ويشاهد التّلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورا مستبشرا كأنه لم يذُق لها مرارة، ولا كابد محنة ولا نصَبا، إنه لأمر إلهي، وصنع ربّاني، ودلالة لا يشوبها لبس ولا تغشاها شبهة، ولا يطرقها تمويه، تقوي بصيرة المستبصر، وتُسدد فكرة المتفكر“.

 رأى ابن بطوطة أخلاق أهل مكة، وأفرد لذلك حديثًا طيبًا؛ فقد أعجب الرجل بها أيما إعجاب، ووصف بعضًا من هذه الأخلاق قائلاً:

“ولأهل مكة الأفعال الجميلة والمكارم التامة والأخلاق الحسنة والإيثار إلى الضعفاء والمنقطعين وحسن الجوار للغرباء، ومن مكارمهم أنهم متى صنع أحدهم وليمة يبدأ فيها بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين، ويستدعيهم بتلطّف ورفق وحسن خلق ثم يطعمهم، وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران حيث يطبخ الناس أخبازهم فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعه المساكين فيُعطي لكل واحد منهم ما قسم له، ولا يردهم خائبين، ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيّب النفس بذلك من غير ضجر“.

مظاهر الحج بمنظور ابن بطوطة:

أما مناسك الحج في ذلك الزمن؛ فإن الاستعداد كان يجري على قدم وساق منذ اليوم الأول من ذي الحجة من كل سنة؛ فكما يقول ابن بطوطة: “إذا كان في أول يوم من شهر ذي الحجة تُضرب الطبول والدّبادب في أوقات الصلوات وبكرة وعشية إشعارًا بالموسم المبارك، ولا تزال كذلك إلى يوم الصعود إلى عرفات“.

 وفي اليوم السابع من ذي الحجة “يخطب الخطيب إثر صلاة الظهر خطبة بليغة يعلّم الناس فيها مناسكهم ويعلمهم بيوم الوقفة”. وفي اليوم التالي يوم التروية يذهبُ الناس إلى مشعر منى، وفيه “يبكّر الناس بالصعود إلى منى، وأمراءُ مصر والشام والعراق وأهل العلم يبيتون تلك الليلة بمنى، وتقع المُباهاة والمفاخرة بين أهل مصر والشام والعراق في إيقاد الشمع (للإضاءة)، ولكن الفضل في ذلك لأهل الشام دائمًا“.

وفي اليوم التالي وهو التاسع من ذي الحجة يوم عرفة يجتمع الناس بمشعر عرفات وفي وسطه جبل الرحمة، ويوم رآه ابن بطوطة كانت تعلوه قبة تُنسب إلى أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها. أما أسفل جبل الرحمة فقد رآى ابن بطوطة: “عن يسار المستقبل للكعبة دار عتيقة البناء تُنسب إلى آدم عليه السلام، وعن يسارها الصّخرات التي كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم عندها، وحول ذلك صهاريج وجباب للماء، وبمقربة منه الموضع الذي يقفُ فيه الإمام ويخطب ويجمع بين الظهر والعصر“.

 فإذا انتهى يوم عرفة، وحان وقت النفر إلى مُزدلفة لاستكمال مناسك الحج “أشار الإمام المالكي بيده ونزل عن موقفه فدفع الناس بالنفر دفعة ترتجُّ لها الأرض وترجف الجبال فياله موقفا كريما، ومشهدا عظيما، ترجو النفوس حسن عقباه، وتطمح الآمال إلى نفحات رُحماه“.

 ومن مزدلفة يأخذ الناس حصيات الجمار أو من حول مسجد الخيف لرمي جمرة العقبة في اليوم العاشر وهو يوم النحر، وفيه ينحر الحجاج، وفي ذلك اليوم “بُعثت كسوة الكعبة الشريفة مِن الركب المصري إلى البيت الكريم، فوضِعت في سطحه، فلما كان اليوم الثالث بعد يوم النحر أخذ الشّيبيون (بنو شيبة سدَنة الكعبة) في إسبالها على الكعبة الشريفة، وهي كسوة سوداء حالكة من الحرير مبطنة بالكتان، وفي أعلاها طراز مكتوب فيه بالبياض: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا﴾. الآية، وفي سائر جهاتها طرز مكتوبة بالبياض فيها آياتٌ من القرآن، وعليها نُور لائح مُشرق من سوادها. ولما كسيت شمّرت أذيالها صونًا عن أيدي الناس، والملك الناصر (محمد بن قلاوون السلطان المملوكي ت 741هـ) هو الذي يتولى كسوة الكعبة الكريمة، ويبعثُ مرتبات القاضي والخطيب والأئمة والمؤذنين والفرّاشين والقَوَمة وما يحتاج له الحرم الشريف من الشّمع والزيت في كلّ سنة“.

وقد استحسن ابن بطوطة صنيع بعض الحجاج، على وجه الخصوص العراقيين والخُرسانيين في تلك الأيام؛ لأنهم كانوا “يكثرون فيها الصدقات على المجاورين وغيرهم. ولقد شاهدتُهم يطوفون بالحرم ليلاً فمَن لقوه في الحرم من المجاورين أو المكيين أعطوه الفضّة والثياب، وكذلك يعطون للمشاهدين الكعبة الشريفة، وربما وجدوا إنساناً نائماً فجعلوا في فيه الذهب والفضة حتى يفيق“!

 تلك بعض من المشاهد التي رآها الرحالة العربي الشهير ابن بطوطة في مشهد الحج لعام 726هـ/1326هـ قبل أكثر من سبعمئة عام، وعلى الرغم من تغير الواقع الثقافي والجغرافي للأمة منذ ذلك التاريخ، إلا أن مشهد الحج الأكبر الذي يجمع الناس من كل فج عميق، يتواضعون فيه لله، ويشعرون فيه بالوحدة والقُربة، سيظل هو الأخلد والأبقى على مر التاريخ.