قُطّاع الطرق

في عام 1757 أغار قطّاع طرق على قافلة الحج الشامي التي تتكون من المسلمين القادمين من أوروبا وبلاد فارس والرافدين وكذلك مسلمي حلب والشام، وقتلوا الآلاف من حجاج القافلة بالقرب من تبوك.

وكانت بعض القبائل تتلقى مبلغا سنوياً من المال لتأمين القافلة في رحلتي الذهاب والعودة. لكن بعض الأمراء كانوا يرفضون تسليم المبالغ طمعاً في المال فتتعرض القافلة لهجمات المغيرين وقطاع الطرق.

وبينما تحركت قافلة حجاج ذلك العالم في طريق العودة عبر “الطريق السلطاني” تعرضت لهجوم من قطاع طرق وحوصرت في تبوك أكثر من ثلاثة أسابيع، قبل أن يتم مهاجمة القافلة الشامية ويُقتل معظم العساكر والحجاج من الرجال والنساء.

ويروي البريطاني جوزيف بتس، أحد الذين كتبوا عن رحلة الحج، أنه تعرض إلى هجوم مماثل أثناء محاولته اجتياز نهر النيل قائلا: “لا يخلو نهر النيل من اللصوص الذين ينهبون القوارب، وهم يكثرون في هذا الوقت من العام لكثرة عدد الحجاج الذين يتخذون طريقهم مبحرين في النيل من رشيد للقاهرة، ويعلم اللصوص أن الحُجاج يحملون معهم مبالغ مالية، وقد اعترانا الخوف من مهاجمتهم لنا، لكننا عندما أطلقنا النار من أسلحتنا ولوّا هاربين”.

القرامطة

بداية القرن العاشر الميلادي أغار قرامطة شرق الجزيرة العربية من أتباع حمدان القرمطي -الذي تنسب له هذه الطائفة الباطنية- على مكة المكرمة موسم الحج لسنوات، وصدرت فتاوى من علماء مسلمين لحث المسلمين على تعطيل الحج حماية للأرواح، وبالفعل ألغى حجاج الشام والعراق قوافلهم إلى مكة.

وكان القرامطة عام 317هـ/908م قد هجموا على موسم الحج وقتلوا الكثير من الحجاج وخلعوا باب الكعبة وسلبوا كسوتها واقتلعوا الحجر الأسود من مكانه، وحملوه معهم إلى شرق الجزيرة العربية ليبقى في حوزتهم قرابة عشرين سنة.

ووصف ابن كثير في الجزء 11 من كتابه “البداية والنهاية” تلك الأحداث، ونقل أن أبو طاهر الجنابي القرمطي زعيم القرامطة أمر بأن يقلع الحجر الأسود فضربه أحد رجاله بمثقل في يده مستهزئاً بالحجاج والمسلمين قائلا “أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل” وعاد به القرمطي لبلاده ورجاه أمير مكة أن يعيده فلم يستجب له وقتله وأهله وقفل عائداً مع الحجر وأموال الحجاج.

وأدت النزاعات الداخلية بين القرامطة إلى إضعاف دولتهم، وتخلت عنهم القبائل التي تحالفت معهم نكاية بالعباسيين، وهزموا في حربهم مع العيونيين الذين أخرجوهم من شرق الجزيرة العربية بدعم من الخليفة العباسي والسلطان السلجوقي، فانتهت حقبتهم بعد قرابة قرن ونصف القرن من الاضطرابات الدموية بالجزيرة العربية.

الظروف الطبيعية

تسببت الظروف الجوية مثل الفيضانات والكوارث الطبيعية في تعطل رحلات الحج من بعض البلدان، فقد أدى فيضان دجلة لتعطل قوافل الحج من بغداد في أحد مواسم القرن الخامس الهجري، بينما أدت أمراض الصحراء الأفريقية إلى تعطل قوافل الحج من غرب أفريقيا.

 كما تعطل الحج أحد المواسم منتصف القرن الرابع الهجري بسبب وباء أصاب جمال القوافل والحجاج، ومات كثيرون عطشا أو مرضا.

تصف رحلة ابن رشيد الفهري للحج في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي أخطر التحديات التي واجهت حجاج تلك العصور، والتي تمثلت في قلة المياه، يقول: “ومن تبوك يُرفع المال إلى العُلا، وما بينهما أشق شيء في الطريق وأقلّه ماء؛ لأنه ليس فيه ماء أصلي سوى بئر بوادي الأخضر قلّ أن يفي بالركب، وقد هلك فيه في بعض الأوقات خلق كثير وعدد كبير”.

الظروف الاستثنائية

تعدّ الأوبئة من الظروف الاستثنائية التي أجبرت الحجاج على اتباع أساليب غير التي اعتادوا عليه، وهو ما تواجهه اليوم حكومة المملكة العربية السعودية، التي أُجبرت على تقليصِ أعداد الحجاج؛ حفظاً لصحتهم وسلامتهم، بسبب تداعيات جائحة “كورونا” التي يشهدها العالمُ أجمع.

فلطالما كانت الأوبئة والأمراض المعدية مهددًا حقيقيًا خلال مواسم الحج، وعلى الرغم من هذه الجائحة إلا أن المملكة لم تلغي أو توقف موسم الحج، ونشهدُ هذا العام إقامته مقتصراً على 60 ألف حاجاً من المواطنين والمقيمين في ظل تطورات الجائحة.

لا يقارنُ مجهود الحج في عصرنا هذا بما واجهه الناس قديماً من مشقةٍ وعناء، بعضها دوّنه التاريخ وأكثرها غاب مع من غيّبهم الموت في طريقهم إلى الحج، لذلك سار على ألسنة العرب المسلمين مثلٌ يجسّد هذه المشقة: “الذاهب مفقود والعائد مولود”!!