وصف علي الطنطاوي رحمه الله (ت 1420هـ) أولَ رحلة شقّت طريق الحج بالسيارات في عام 1353هـ (1935هـ)، وذلك في كتابه الماتع (من نفحات الحرم)، وكان قد تهيّأ له أن يشارك في تلك الرحلة الكاشفة لطريق الحج، منطلقة من دمشق.

وفي تضاعيف الكتاب وصف دقيق لكثير من المواقف والمفاجآت التي لقيها الحجاج، في طريق بري وعر، متشابه لم تسلكه السيارات من قبل.

وفي هذا الكتاب دوّن الطنطاوي كثيرًا من الطرائف والغرائب التي لقيها الركْبُ في رحلتهم، منها أنه كان معهم دليل طلبوا منه أن يبلِغَهم منفذ الحدود الجديد في القريّات، وهو المنفذ الذي كان حديث عهد، إذ كان لم يمضِ على قيام السعودية سوى بضع سنوات. فسار بهم يقطع الوهاد والنجاد، ويتكلم كلام الواثق المطمئن، حتى بدت لهم في الليل أنوار خافتة على البعد، فقال: تلك هي القريات. فلما وصلوا إليها، سألوا الجند الواقفين عندها: أهذه هي القريّات؟ قالوا: لا مرحبًا بكم في العراق!

فرجعت القافلة أدراجها سالكة طريقًا أخرى، حتى وصلت القريات، ومنها إلى تبوك، فالمدينة المنورة.

ومنها قصة الحُنيني الذي أكلوه في ضيافة بعض الأمراء، وما رأوه من إقامة الحد على أحد الجُناة في مكة بجوار الحرم.

يعدّ ذلك الجزء من الكتاب رحلة ممزوجة بسيرة ذاتية، فيها نفَس الطنطاوي وأسلوبه السهل الممتنع.

د. عبدالله بن سليم الرشيد

أكاديمي وشاعر سعودي