في اليوم الثامن، من شهر ذي الحجة، من كل عام، يتوافد الحجاج، مجللين بالسَّكينة والبياض، صوب مشعر مِنى -بكسر الميم وفتح النون-، هذا الوادي المنبسط بين الجبال، شرق مكة المكرمة، على الطريق بينها وبين جبل عرفة، حيث تفصله 6 كم تقريبًا، عن المسجد الحرام، لأداء شعائر الحج، ومبيت الحجاج، يوم التروية، ويوم عيد الأضحى، وأيام التشريق، إضافة إلى منسك رمي الجمرات الثلاث، وذبح الهدي.

تؤوي منى سنويًا ما يزيد عن مليوني حاج، فضلاً عن غيرهم من العاملين ومقدمي الخدمات المختلفة. وذلك ابتداءً من يوم التروية في الثامن من ذي الحجة، اليوم الأول لمناسك الحجّ، وحتى مغرب اليوم الأخير من أيام التشريق في الثالث عشر من ذي الحجة، عدا اليوم التاسع، وهو يوم عرفة العظيم.

ويقول المؤرخون: إن تسمية “منى” أتت لما يراق فيها من الدماء المشروعة في الحج، وقيل لتمني آدمَ الجنةَ فيها، ورأى آخرون أنها لاجتماع الناس بها. والعرب تقول لكل مكان يجتمع فيه الناس: منى.

ينتهي في مشعر منى أطول طريق للمشاة في العالم، والذي يبدأ من جبل الرحمة بعرفات، مرورًا بمزدلفة، وهو طريق بـ 4 مسارات، يضم على طوله المظلات للوقاية من أشعة الشمس والكراسي والمياه الباردة. كما تمتد الخيام في مشعر منى على مساحة 2,500,000 متر مربع، تستوعب نحو 2,600,000 حاج، بما يمثل أكبر مدينة خيام بالعالم.

مئات السنوات، التي مرّت على هذا المشعر العظيم، آلاف الرحلات والقوافل، ملايين الحجاج، ومليارات التفاصيل والحكايات، لكنه اليوم، سيكون هادئًا، على غير العادة. سيكون أول يوم تروية، بلا حشود جليلة، ستبقى خلف شاشاتها، تتابع بحزن مشوب بالغبطة، ثلة مختارة، من الحجاج، يمثلون 160 جنسية، وبأعداد محدودة، مناسك الحجّ في يومه الأول، بينما خلف غلالة من القلق، يتبدى شبح الفيروس الذي فرضَ هذه الظروف الاحترازية، وحدّ من شغف المريدين، ولهفة الحجيج، حتى عام قادم، ومواسم آتية.