“مَكَّتِي”: مدينة كلّ الأزمنة

الكاتب : حسين محمَّد بافقيه

عَرَفْتُ قصيدة “مَكَّتي” للشَّاعر السُّعُوديّ محمَّد حسن فقي في المرحلة الثَّانويَّة، ذلك أنَّ مقرَّر الأدب في الصَّفّ الثَّالث الثَّانويّ كان مِنْ بين أبوابه دراسة الأدب والثَّقافة في المملكة العربيَّة السُّعُوديَّة، وأذكر أنَّه استوقفني في غلاف الكِتاب أسماء مؤلِّفيه، ولا زلتُ أذكر تلك الأسماء: (شكري محمَّد عيَّاد، ورمضان عبد التَّوَّاب، وحسن الشَّاذليّ فرهود)، ولَمَّا اختلفْتُ إلى الجامعة عام 1405هـ، عرفْتُ أنَّ شكري عيَّاد ناقد مِنْ أعلام النُّقَّاد العرب المعاصرين، ثُمَّ عرفْتُ رمضان عبد التَّوَّاب لَمَّا اتَّصلَتْ أسبابي بموادَّ لُغَويَّة كانتْ مقرَّرة علينا في قسم اللُّغة العربيَّة وآدابها، واقتنيْتُ غير كِتاب مِنْ كُتُبه، أمَّا حسن الشَّاذليّ فرهود فكان مِنْ أوائل السُّعُوديِّين الَّذين حازوا درجة الدَّكتوراه، وكان، مُدَّة حياته، أستاذًا بجامعة الملك سُعُود بالرِّياض، وأدركْتُ، حينئذٍ، قيمة مقرَّرات اللُّغة العربيَّة مِنْ قيمة أولئك الأساتذة الكبار الَّذين كان إليهم أمر تأليف تلك المقرَّرات.

قُرِّرَتْ علينا قصيدة “مَكَّتِي”، ورُبَّما طُلِبَ مِنَّا استظهارها كاملةً، أوْ على الأقلّ أبيات مِنْها، لكنَّني أذكر جيِّدًا أنَّه استوقَفَني في تحليل القصيدة – ورُبَّما كانتْ تلك الكلمات لشكري عيَّاد، فهو النَّاقد الوحيد في المؤلِّفين، وفي البيت الأوَّل مِنَ القصيدة يقول:

مَكَّتِي أَنْتِ لَا جَلَالٌ عَلَى الأَرْضِ يُدَانِي جَلَالَهَا أَوْ يَفُوقُ

التفاتًا في الضَّمائر، مِنْ ضمير المخاطَب في “أنتِ” إلى ضمير الغائب في “جلالها”، ثُمَّ ما أُنْسِيتُ من سائر ما قِيلَ مِنْ تحليل نقديّ لسائر القصيدة، وإنْ غار في وجداني شيْءٌ مِنْ جَمَال النَّقْد وجَلَاله!

اليومَ، اتَّفَقَ لي أنْ أعود إلى قصيدة محمَّد حسن فقي، مِنْ جديد، فلَمَّا قرأْتُها أعادتْ تلك القراءة سنواتٍ حبيبةً إلى النَّفس، ويكفي أنَّ تلك السَّنوات أشعرتْني بأنَّ كلَّ ما أَقْبَلْتُ عليه مِنْ أمر الأدب والثَّقافة كان جديدًا فَتِيًّا، يلامس القلب، وأنَّه لا يزال في النَّفس مَيْلٌ إلى ذلك العقل الطَّرِيِّ الَّذي لمْ تتنازعْ فيه الأفكار، يتقبَّل مِنْها ما يتقبَّل، ويرفض مِنْها ما يرفض، وأنَّه – ما دُمْنا نتحدَّث عنْ محمَّد حسن فقي – لا يزال يُحِسُّ لَذَّة أبيات هذا الشَّاعر الحكيم، وأنَّ تَقادُم الأيَّام وكُرُور السِّنين لمْ يُبْلِيَا ما فيها مِنْ “جَمَال” – ولِمَ لا أقول: مِنْ “جَلَال”؟!

حقًّا إنَّني أحسسْتُ ما في القصيدة مِنْ جَلَال، وكأنَّما أراد محمَّد حسن فقي أن يأخذ “مَكَّته” – وهو الَّذي اختار، بدءًا، لعبة الضَّمائر! – إلى مقام “الجَلَال”، منذ مفتتح القصيدة، وساغ، عند ذلك، أن ينتقل الشَّاعر مِنْ ضمير المخاطَب في “أنتِ”، إلى ضمير الغائب في “جَلَالها”، فالجَلَالُ يلفُّه شيءٌ مِنْ الغموض والتَّجريد، نَعَمْ كان الشَّاعر – وهو ابن مكَّة المكرَّمة – مولَعًا بمدينته مفتونًا بها، حين ناداها في مطلع قصيدته بـ”مَكَّتِي”، غير أنَّه سَرْعان ما أدرك أنَّه كأنَّما يصعب عليه أن يبوح باسْمها على ذلك النَّحو الَّذي افتتح به كلامه، ورُبَّما كان الالتفات مِنْ ضمير المخاطَب إلى ضمير الغائب، هو التفات مِنَ “الجَمَال” المحسوس إلى “الجَلَال” المجرَّد، فإذا ما عاد، بعد ذلك، يخاطب مكَّة رأسًا، فكأنَّما كان عليه أن يبين لِمَ ارتفعتْ مكَّة فكانتْ مدينة الجَلَال لا الجَمَال.

ومكَّة، عند الشَّاعر، مدينة المعنى لا المبنى، فالمبنى عُرْضةٌ للزَّوال، أمَّا المعنى فهو ذلك الثَّابت الرَّاسخ المقيم، وكان على الشَّاعر أن يَعْلُوَ بمدينته عنْ مَعالِم الجَمَال، وأن يبلغ بها إلى سُدَّة الجَلَال. ومنذ البيت الثَّاني مِنَ القصيدة، صَرْفٌ للعَرَضِيّ والزَّائل، واتِّصال بعمق المعنى وجبروت الجَلَال، وعساه استبطن مقابلةً، مِمَّا يرى ويسمع، بين المُدُن الَّتي تُقْصَد لجَمَالِها، ومكَّة مدينة المعاني الَّتي تُقْصَد لجَلَالها، فكان حقيقًا، وهي وادٍ غير ذي زرع، منزوع عنها أيُّ أثرٍ للجَمَال = أنْ لا تُبالي بمظاهر الجَمَال؛ فالرَّشاقة والسِّحْر زائلان، أمَّا في مكَّة فيكمنان في “معناها”، ذلك الَّذي يريده مَنْ يقصد بيتها العتيق مِنْ كلِّ فَجٍّ عميق، فمكَّة تَجْذب إلى بطحائها “الأفئدة” لا الأجساد الزَّائلة، وسِيَّانَ، في أُمّ القُرَى، ماضي الزَّمان وحاضره ومستقبله، ما اتَّصَلَتْ بمعنًى أبديٍّ لمْ يتعلَّق بالمادِّيّ والعَرَضِيّ، كسواها مِنَ الأمكنة والمُدُن، منذ آثرتْ “الجَلَال” على “الجَمَال”، فكانتْ مدينة كلّ الأزمنة، وكأنَّما كان على أبيات القصيدة أن تُفَصِّل معنى “الجَلَال” الَّذي أَطَلَّ علينا منذ مطلعها، وكأنَّما كان بيت القصيد فيها وخلاصة المعنى فيها قوله:

كُلُّ حُسْنٍ يَبْلَى وَحُسْنُكِ يَا مَكَّةُ رُغْمَ البِلَى الفَتِيُّ العَرِيقُ