أمن الحجّاج في عهد الدولة السعودية

الكاتب : احمد صالح حلبي

على مدى قرون مضت كانت الصعوبات تكتنف أداء الحجّ، ولا تنحصر تلك الصعوبات في وسائل النقل وحدها أو غياب المساكن المهيئة وعدم توفر مياه الشرب النقية، إذ كانت أشد الصعوبات التي تواجه الحجيج هي غياب الأمن والأمان، فلا تكاد قافلة تمرّ بطريق قصير بين جدة ومكة المكرمة إلا وتجد من يقطع طريقها ويسلب أموالها وأحيانًا يقتل رجالها ويسبي نسائها.
ونقلت لنا كتب التاريخ والرحالة ما كان يكتنف الحاج من صعوبات وما كان يواجهه من مشاكل، فرحلة الحج وإن كانت أمنية المسلمين جميعًا إلا أنها كانت محفوفة بالمخاطر، ولم يكن يسلم قوافل الحجيج من قطاع الطرق، إلا اضطرار رؤسائها لدفع إتاوات من الذهب لتمر قوافلهم بسلام.
كل هذه الأحداث وغيرها كانت تحدث قبل توحيد البلاد، وتأسيس المملكة العربية السعودية على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله.
فبعد أن وحد الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ أرجاء الجزيرة العربية تحت راية واحدة، تحمل شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله، بدأت خطواته الأولى في تأمين دروب الحجيج وبسط الأمن والأمان بها، ليتمكن حجاج بيت الله الحرام من أداء فريضتهم بيسر وسهولة وأمن وأمان، فقضى على قاطعي الطرق وبسط الأمن بها، وتمكن الحجيج من التنقل بين مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجدة، والمشاعر المقدسة، وأداء نسكهم دون خوف على أعراضهم أو أموالهم.
غير أن الملك عبدالعزيز ـرحمه الله- قبل أن يبدأ في وضع التنظيمات الأمنية، كانت خطوته الأولى متمثلة في أخذ العهود والمواثيق على رؤساء القبائل الذين قدموا لتقديم الولاء والطاعة له، إذ ألزمهم بمسؤولية حفظ الأمن في حدود ديارهم المعروفة وأن يعملوا على منع الاعتداءات والسرقة وقطع الطريق والعدوان على عابري السبيل، وجعل بهذا الإلزام مسؤولية أمن المنطقة لدى رؤساء القبائل مؤكدًا لهم حرصه على تطبيق شرع الله على كل من يحاول المساس بالأمن وخاصة أمن الحجيج.
وظلّت خدمة الحجّاج وتأمين دروبهم قاعدة أساسية سار عليها من بعده أبناءه سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله -رحمهم الله جميعًا-، فقد عملوا على خدمة الحجيج وتأمين دروبهم، وكان ذلك ظاهرًا في الاهتمام بالقطاعات الأمنية وإعداد أفرادها وتأهيلهم.
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- تزايد الإهتمام بتأهيل وإعداد رجل الأمن ليؤدي واجبه بشكل أفضل، ونرى ما تتناقله وسائل الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي عن الأدوار التي يقوم بها رجال الأمن لخدمة الحجاج، فلم ينحصر دورهم في توفير الخدمات الأمنية للحجيج في دروبهم أو مساكنهم، بل غدا رجل الأمن مثالًا يحتذى به في الخدمات الانسانية، ونقلت لنا عدسات المصورين الأجانب قبل السعوديين ما قدّمه ويقدّمه رجال الأمن من خدمات إنسانية للحجيج تجعلنا نقف احترامًا وتقديرا لهم.
وبالأمس القريب وقبل أن تتدفق أفواج الحجيج، رصدت وسائل التواصل الإجتماعي تلك الصورة الانسانية لجندي خلع حذاءه وألبسه لحاجّة بعد أن شكت من حرارة الأرض وعدم قدرتها على تحملها.
فكم لدينا من مواقف انسانية تجعلنا نفخر بأن يكون هؤلاء الابطال رجال أمننا والساهرين على راحة ضيوف الرحمن!
ودعواتنا تبقى دومًا بأن يحفظ الله لبلادنا أمنها وأمانها، وأن يمكّن حجاج بيت الله الحرام وزوار مسجد رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم من أداء نسكهم والعودة لأوطانهم سالمين غانمين حاملين أسمى كلمات الشكر وأجمل عبارات الثناء وأنصع صور الخدمات المقدمة، وحفظ الله بلادنا من كل مكروه.