“لبيك اللهم لبيك”.. صدحت بها ألسنة وقلوب الحجاج على صعيد عرفات، الذى اكتسى اليوم السبت باللون الأبيض، حيث وقف الحجيج على جبل الرحمة، وفي مشهد مهيب وجمع يرجو رحمة ربه وابتغاء مرضاته في هذا اليوم المبارك، أفضل يوم طلعت عليه الشمس، وقف الحجاج على صعيد عرفات الطاهر، رافعين أكف الضراعة، سائلين المولى ان يغفر ذنوبهم ويعتق رقابهم، حينها هطل المطر فزادت العبرات وزادت خلوة كل منهم بربه، سألوه من خيري الدنيا والأخرة وتضرعوا اليه، سكبوا العبرات، وباحوا بمكنوناتهم كل بلغته وبلسانه، والعظيم منصت لهم لا يشغله صوت عن صوت ولا لسان عن لسان ولا سائل عن الآخر ينظر اليهم ،ونظره سبحانه وتعالى رحمه، يباهي بهم ملائكته سبحانه وتعالى (ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة، إنه ليدني، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء).

يرفعون أكف الضراعة إلى الله بقلوب وجلة يملأها الخوف والرجاء، بأن يتقبل الله منهم حجهم، ويرزقهم تكفير الذنوب والسيئات، لا يعلم خلجات صدورهم الا الله، ينصت لهم جميعا ويسمعهم جميعا سبحانه وتعالى (ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينـزل الله تعالى إلى سماء الدنيا، فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي، جاؤوني شعثاً غبراً ضاجِّين، جاؤوا من كل فج عميق، يرجون رحمتي، ولم يروا عقابي، فلم يُرَ يوماً أكثر عتقاً من النار، من يوم عرفة).

يقول المصطفى عليه الصلاة والسلام: (إن الله يهبط إلى سماء الدنيا، ثم يباهي بكم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثاً سُفْعاً، يرجون رحمتي ومغفرتي؛ فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل، وكعدد القطر، وكزَبَد البحر، لغفرتُها، أفيضوا عبادي مغفوراً لكم، ولمن شفعتم له).

روى ابن عبد البر أيضاً، بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات، وكادت الشمس أن تؤوب، فقال: (يا بلال! أنصت لي الناس) فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنصت الناس، فقال: (معاشر الناس، أتاني جبريل آنفًا، فأقرأني من ربي السلام، وقال: إن الله غفر لأهل عرفات وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات) فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، هذا لنا خاص، فقال: (هذا لكم، ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة) فقال عمر رضي الله عنه: كثر

خير الله وطاب.

عندما يأت الحاج للحج وهو يستشعر ل هذا الفضل والخير الذي سيناله، حينها يتفرغ للعبادة فلا يرفث ولا يفسق، ويعمل جاهدا بكل ما أوتي ان يؤدي نسكه دون أدنى خطأ ممكن، أسال الله أن يتقبل من الحجاج حجهم وأن يجزي خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين خير الجزاء، وأن يتقبل من ولاة الأمر جهودهم المخلصة، وأن يجعلها بركة في أعمارهم وصحتهم وأن يديم على هذه البلاد نعمة الأمن والرخاء وأن يديمها منارة للإسلام والمسلمين، إنه سميع مجيب.

خاتمة:

من أدعية المصطفى عليه افضل الصلاة واتم التسليم: “اللَّهُمَّ تَسْمَعُ كَلامي، وتَرَى مَكَاني، وتَعْلَمُ سرِّي وعَلانيتي، لا يخفى علَيْكَ شَيء مِنْ أَمْري، أَنا البَائسُ الفَقيرُ، المُسْتَغِيثُ المُسْتَجيرُ، وَالوَجلُ المُشفِقُ، المقِرُّ المعترِفُ بِذُنُوبي، أَسْأَلكَ مَسْألةَ المِسْكين، وأبْتَهِلُ إليْكَ ابْتهالَ المُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الخَائِفِ الضرِيرِ، مَنْ خَضَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وذلَّ جَسَدُهُ، ورَغِمَ أَنْفُهُ لَكَ، اللَّهُمَّ لا تجعلني بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِياً، وكُن بي رَؤُوفاً رحيماً، يا خيْرَ المَسْؤُولين، ويا خَيْرَ المُعْطِينَ”

بقلم: صالح الحسيكي