أدبيات الحج
إرث ديني كبير وثري، سطرته كتب الأقدمين من علماء وأدباء ومؤلفين وغيرهم، تنوعت كتاباتهم حول ترحالهم وتنقلهم، وبرز منذ ذلك الزمن جانب إبداعي من التوثيق الأدبي سُمِّيَ بـ”أدب الرحلات”، تصاغ من خلاله الرحلات بطريقة أدبية مشوقة، ولأن “الحج” من أعظم وأقدس الرحلات التي تخلد في ذاكرة المؤلف أو الكاتب أو الأديب، فقد وثقت كتب التراجم ومخطوطات السير ما أطلق عليه “أدب الحج”.

فقديما، كان كل من عزم ونوى أداء فريضة الحج، يعمد إلى نقل واقع الديار المقدسة لأهله عند رجوعه إلى موطنه، فيما لم تكن آنذاك من وسيلة لنقل هذه الرحلة والتجربة سوى محابر الأقلام نقلا عما روته الألسن، فالعالم يدون ما تحبسه ذاكرته، والأديب يسطر تفاصيل رحلته بأبيات وقصائد، والمؤرخ يسجل الوقائع والأماكن ويحررها بأوقاتها ومساراتها.

ويمثل “أدب الحج” وثائق روحانية وتاريخية، تتضمن وصفاً دقيقاً للمسجد الحرام والمشاعر المقدسة، ومن ذلك ما نشره الموقع الإخباري لقناة “العربية” في 21 أغسطس من عام 2018 بعنوان (“أدب الحج” يوثق رحلات الحجيج عبر العصور)، مورداً قصة أول رحالة صيني مسلم وصف المسارات البحرية من بلده حتى مكة المكرمة، في رحلة استغرقت عامين، وكذلك المهندس المصري محمد صادق من بين أول من وثقوا مكة المكرمة بالصور الفوتوغرافية وذلك عام 1880، وأيضا مدونات أميرة هندية بلغتها الأردية وصفـت فيها الرحلة إلى المشاعر المقدسة.

وتطالعنا مواضيع أخرى في هذا الجانب، بعضها أوردتها الصحف مثل ما نشرته صحيفة “مكة المكرمة” بتاريخ 7 أكتوبر من عام 2014 تحت عنوان (روحانية رحلة الحج تغري الكتاب للحضور بإبداعاتهم الأدبية)، موردة أن من أبرز المؤلفات التي تحدثت عن رحلة الحج والعمرة في أدبنا العربي الحديث كتاب “في أرض الحجاز” لأحمد حسن الزيات، الذي ارتحل إلى الحجاز في الفترة التي كانت ترضخ فيها الدول العربية تحت وطأة الاستعمار، وأيضا عباس العقاد أيضا من أبرز الأدباء الذين وثقوا تفاصيل رحلتهم للحج، وقد تحدث عن حمام الحرم بعد حديث موسع عن غار حراء، والكعبة المشرفة، وألقى قصيدة أثناء لقائه الملك عبدالعزيز في البقاع المقدسة، قال فيها:
عش يا طويل العمر عيش معمر *** تحيا به أمم من الأحياء
ومما تم توثيقه أيضاً حول “أدب الحج” كتاب (أيام في الأراضي المقدسة) لأنيس منصور، الذي يعد من أبرز كتّاب أدب الرحلات في القرن العشرين، متحدثا فيه عن مشاعره في الأراضي المقدسة، ومن المؤلفات الأخرى التي اتخذت من رحلة الحج موضوعا رئيسيا لها: كتاب (رحلة الحجاز) لإبراهيم عبدالقادر المازني، و(في منزل الوحي) لمحمد حسين هيكل، و(إلى أرض النبوة) لعلي الطنطاوي.

وفي قسمها الثقافي، نشرت صحيفة الرياض بتاريخ 14 سبتمبر لعام 2015 موضوعا تحت عنوان (أدب الحج: رحلة الروح حين تجمع خواطر الزمن)، فالتراث القديم كشف لنا كنوزا هائلة في هذا السياق، منها ما دونه الحاج المثقف ابن جبير الأندلسي، أو ابن بطوطة المغربي الذي جاءت رحلته إلى الحج صفحة ثرية وعظيمة من صفحات رحلاته التي اشتهر بها، أو ناصر خسرو الخراساني الذي جعل من رحلته إلى الحج رائعة من روائعه النثرية يصف فيها بدقة عالية كل تفاصيل الرحلة، أما حاضراً فقد ذكرت الصحيفة مثالا الشاعرة والكاتبة الكويتية سعدية مفرّح راصدة رحلتها إلى الحج عبر سلسلة مقالات نشرت بالتتابع في صحيفة الرياض تحت عنوان “رحلتي إلى الحج”، وكذلك الناقد العربي الكبير طه حسين الذي وقف من رحلته إلى الحج في عام 1955 موقفا إبداعياً تذاكرته الأخبار وتناقله المؤرخون، أما على مستوى الشعر، فلم يغب الشعر ونظم القصيد عن تفاصيله، ومن أشهر القصائد ما نظمه أحمد شوقي في قصيدته التي يقول فيها: “إلى عرفات الله يا خير زائر *** عليك سلام الله في عرفات”، “ويوم تُوَلي وجهة البيت ناضرًا *** وسيم مجالي البشر والقسمات”.

ومع التطور الراهن في كل الوسائل المتعلقة بالحج ونقل التجربة والرحلة الإيمانية، يجدر بنا أن نتساءل حول ضعف النتاج الأدبي في الزمن المعاصر، وتضاؤله وفتوره مقارنة بما كان عليها أجدادنا الأدباء الحجاج قديما، في ظل التوثيق الرقمي المتسارع والنقل المباشر للصورة وتفاصيلها، ليبقى السؤال: هل انتهى زمن “أدب الحج؟”.