شهد المسجد النبوي الشريف الذي بناه رسول الله محمد – صلى الله عليه وسلم – بيديه الشريفتين في السنة الأولى من الهجرة بعد قدومه إلى المدينة المنوّرة مهاجراً من مكة المكرّمة، نحو 10 توسعات متعاقبة، أكبرها جرت في عهد الدولة السعودية، وكان أول مكان جرت إنارته بالمصابيح الكهربائية عام 1327هـ.

وكانت أرض المسجد (مكاناً لتجفيف التمر) لغلامين يتيمين اسمهما “سهل وسهيل”، واختط الرسول الكريم – عليه أفضل الصلاة والسلام – أرض المسجد فجعل طوله 50 متراً وعرضه 49 متراً، وجعل القبلة إلى بيت المقدس، وحفر أساسه وسقفه بالجريد، وجعل عمده جذوع النخل وجعل له ثلاثة أبواب (باب في مؤخرة المسجد، وكان يُقال له باب عاتكة أو باب الرحمة، وباب جبريل؛ وهو الذي يدخل منه الرسول الأجل وجعل في مؤخرة المسجد مكاناً مظللاً يُعرف بـ “الصفة” وهو المكان الذي كان يأوي إليه الغرباء والمساكين.

 

ولم يسقف الرسول – صلى الله عليه وسلم – كل المسجد، وكان إذا نزل المطر يسيل مختلطاً بطين السقف على المصلين ولما طلبوا من النبي أن يزيد الطين على سقفه رفض، وقال: “لا، عريش كعريش موسى”، ولم يكن المسجد مفروشاً في بداية أمره؛ لكنه فُرش بالحصى بعد ذلك في السنة الثالثة من الهجرة، وصلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومَن معه من المسلمين إلى بيت المقدس ستة أشهر، أو سبعة أشهر، وكان – صلى الله عليه وسلم – يعجبه أن تكون القبلة إلى الكعبة، فنزل قول الله تعالى (قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وكان ذلك – في أغلب الروايات – في شهر رجب من السنة الثانية للهجرة، وبعد تحويل القبلة أغلق رسول الله – صلى الله عليه وسلم – الباب الكائن في الجدار الجنوبي، جدار القبلة الحالية، وفتح بدلاً منه باباً في الجدار الشمالي، جدار القبلة سابقاً، وترك جزءاً من المسجد في الجهة الشمالية لأهل الصفة.

توسعات العهد السعودي

وشهد المسجد بعد ذلك العديد من التوسعات والإصلاحات في عهود الخلفاء الراشدين وخلفاء العصرين الأموي والعباسي وكل ملوك وسلاطين الممالك الإسلامية الذسن جاءوا من بعدهم حتى جاء توحيد المملكة على يد  الملك عبدالعزيز آل سعود (رحمه الله) وكان من اهتماماته الأولية رعاية شؤون الحرمين الشريفين، وأُجريت إصلاحات عدة للمسجد النبوي الشريف، وفي سنة 1365هـ لُوحظ تصدع في بعض العقود الشمالية وتفتّت في بعض حجارة الأعمدة في تلك الجهة بشكل لافت للنظر، فصدر أمر الملك بعد دراسة المشروع بإجراء العمارة والتوسعة للمسجد، وصرف ما يحتاج إليه المشروع من نفقات دون قيدٍ أو شرط مع توسيع الطرق حوله، إذ أعلن الملك في خطاب رسمي سنة 1368هـ، عزمه على توسعة المسجد النبوي الشريف والبدء بالمشروع.

وفي سنة 1370هـ، بدأت أعمال الهدم للمباني المجاورة للمسجد النبوي الشريف، وفي ربيع الأول 1374هـ احتُفل بوضع حجر الأساس للمشروع بحضور ممثلين عن عدد من الدول الإسلامية، ونظراً لأن عمارة السلطان عبدالمجيد؛ كانت في أحسن حال؛ فضلاً عمّا تتسم به من جمال وإتقان فقد تقرّر الإبقاء على قسم كبير منها، واتجهت التوسعة إلى شمال وشرق وغرب المسجد النبوي الشريف.

توسعة الملك سعود بن عبدالعزيز

وفي سنة 1375هـ، انتهت العمارة والتوسعة في عهد الملك سعود بن عبدالعزيز – رحمه الله – وكانت العمارة قوية جميلة رائعة بالأسمنت المسلح، ونتج عن هذه التوسعة أن أضيف إلى مسطح المسجد 6033 م2، واحتفظ بالقسم القبلي من العمارة المجيدية، كما هو، وهو ما كان صالحاً للبقاء، وبذلك أصبح مجمل العمارة السعودية 12271  م2، وأُقيمت التوسعة كمبنى هيكلي من الخرسانة المسلحة وهي عبارة عن أعمدة تحمل عقوداً مدببة.

كما قُسم السقف إلى مسطحات مربعة شكّلت على نمط الأسقف الخشبية وزُخرفت بأشكال نباتية، وعملت للأعمدة المستديرة تيجان من البرونز وزُخرفت أيضاً.. أما المآذن فقد بلغ ارتفاعها 72 متراً؛ تتكون كل واحدة من أربعة طوابق تناسقت في شكلها مع المنائر القديمة للمسجد، كما حُليت جدران المسجد بنوافذ جميلة، وجعل للمسجد صحنان مفصولان برواق بدلاً من واحد، وتمّت تغطية أرضية المسجد بالرخام، وأصبح للمسجد النبوي الشريف عشرة أبواب.

توسعة الملك فيصل بن عبدالعزيز

 

وفي عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز – رحمه الله – ونظراً لتزايد الأعداد الوافدة للمسجد النبوي، خاصة في موسم الحج، نتيجة سهولة المواصلات والتنقل والراحة التي يلقاها الحاج والزائر في هذه البلاد الطاهرة، حيث وفّرت له الحكومة السعودية كل ما يحتاج إليه من أمن واسـتقرار، وتوافر المتطلبات الأساسية له بما جعل أمر توسعة المسجد النبوي الشريف أمراً ضرورياً حتى يستوعب هذه الأعداد المتزايدة، فأصدر الملك فيصل – رحمه الله – أمره بتوسعة المسجد النبوي الشريف، وكانت هذه التوسعة من الجهة الغربية للمسجد النبوي الشريف فقط، حيث تمثلت التوسعة التي جرت سنة 1395هـ، بإضافة 35 ألف م2 إلى أرض المسجد النبوي الشريف، ولم تتناول عمارة المسجد نفسها، بل جهّزت تلك المساحة لإقامة مصلى كبير مظلل، يتسع لعدد من المصلين يماثل عددهم داخل المسجد، ثم أضيفت مساحة 5550 م2، وظُللت كذلك؛ ما أتاح المجال لاسـتيعاب أعداد أكثر من المصلين.

 

توسعة الملك خالد بن عبدالعزيز

وفي عهد الملك خالد بن عبدالعزيز – رحمه الله – حصل حريقٌ في سوق القماشة سنة 1397هـ، وهو في الجهة الجنوبية الغربية للمسجد النبوي الشريف وتمّت إزالة المنطقة وتسوية أرضيتها وتعويض أصحاب الدور والعقار وتمّت إضافتها إلى مساحة المسجد؛ حيث بلغت المساحة 43 ألف م2، وهو ميدان فسيح مظلل أُضيف إلى أرض المسجد النبوي، ولم تتناول عمارة المسجد وتمّ تخصيص جزءٍ منها مواقف للسـيارات.

 

توسعة الملك فهد بن عبدالعزيز

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز ، أمر – رحمه الله – بإجراء دراسات لتوسعة كبرى للمسجد النبوي الشريف، وكان دافعه إلى ذلك كله أن تكون للحرمين الشريفين قيمة متوازية، كما لهما القيمة الروحية العظمى لدى المسلمين في كل مكان في أرجاء العالم الإسلامي، حيث تمّ في سنة1405هـ، وضع حجر الأساس لمشروع التوسعة للمسجد النبوي، وتضمن مشروع توسعة المسجد وعمارته، إضافة مبنى جديد بجانب مبنى المسجد الحالي يحيط ويتصل به من الشمال والشرق والغرب بمساحة قدرها 82 ألف م2، تستوعب 167 ألف مصلٍ، وبذلك تصبح المساحة الإجمالية للمسجد النبوي الشريف 98.500 م2).

كما أن سطح التوسعة تمت تغطيته بالرخام والمقدرة مساحته بـ 67 ألف م2، ليستوعب 90 ألف مصلٍ، وبذلك يكون استيعاب المسجد النبوي الشريف بعد التوسعة لأكثر من 257 ألف مصلٍ، ضمن مساحة إجمالية تبلغ (165.500 م2.

ويشتمل المشروع كذلك على إحاطة المسجد النبوي الشريف بساحات تبلغ مساحاتها 23 ألف م2، تغطى أرضيتها بالرخام والجرانيت وفق أشكال هندسية بطرز إسلامية متعدّدة جميلة خُصّص منها 135ألف م2 للصلاة، يستوعب 250 ألف مصلٍ، ويمكن أن يزيد عدد المصلين إلى 400 ألف مصلٍ في حالة استخدام كامل مساحة الساحات المحيطة بالمسجد؛ ما يجعل الطاقة الاستيعابية لكامل المسجد والساحات المحيطة 650 ألف مصلٍ، لتصل إلى مليون مصلٍ في أوقات الذروة.

 

توسعة الملك عبدالله بن عبدالعزيز

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – تمّ تدشين أكبر توسعة للمسجد على مدى التاريخ، إلى جانب مشروع المظلات التي أمر بها وهي من المشاريع العملاقة؛ حيث جاء التوجيه بتصنيعها وتركيبها على أعمدة الساحات التي يصل عددها إلى 250 مظلة تغطي 143 ألف م2 من الساحات المحيطة بالمسجد من جهاته الأربع يصلي تحت الواحدة منها 800 مصل، يُضاف إلى ذلك تظليل ستة مسارات في الجهة الجنوبية يسير تحتها الزوّار والمصلون.

كما شهدت المدينة المنوّرة أواخر عام 1433هـ، أكبر توسعة في تاريخ المسجد النبوي الشريف، دشنها الملك عبدالله بن عبدالعزيز – رحمه الله – بوضع حجر الأساس لتوسعة المسجد لتصل طاقته الاستيعابية بموجبها إلى مليوني مصلٍ مع نهاية أعمال المشروع بمشيئة الله تعالى.

كما يواصل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، اليوم، هذه المسيرة العطرة في بناء وعمارة الحرمين الشريفين، وخدمة ضيوف الرحمن، إذ يؤكّد في كل محفل أهمية المسيرة، والحرص على متابعة العمل في مشروعات التوسعة الكبرى بالحرمين الشريفين التي تصب جميعها في خدمة الإسلام والمسلمين في شتى أرجاء المعمورة، ولاسيما حجاج بيت الله الحرام، زوّار مدينة المصطفى – صلى الله عليه وسلم.