مدخل: “جاءني الإسلام متسللاً كالنور إلى قلبي المظلم. وما جذبني إليه، هو ذلك البناء العظيم المتكامل المتناسق، الذي لا يمكن وصفه، فالإسلام بناء تام الصنعة، وكل أجزائه قد صيغت ليُتمَّ بعضها بعضاً، الإسلام يحمل الإنسان على التوحيد جميع نواحي الحياة. الإسلام ليس فلسفة فقط، ولكنه منهاج حياة”.

جنسيات متعددة، انتماء واحد:

ولد المستشرق النمساوي ليوبولد فايس في مدينة ليمبورغ (ليفو بالألمانية) من مقاطعة غاليسيا، في الإمبراطوريّة النمساويّة الهنغاريّة (المنهارة)، والمدينة الآن جزء من أوكرانيا. 

اعتنق الإسلام سنة 1926م، وكان عمره آنذاك 26 عامًا، وسمّى نفسه محمد أسد بعد أن رحل إلى شبه الجزيرة العربية أيام الملك عبد العزيز آل سعود، لأداء الحجّ واستهوته الإقامة في المدينة المنوّرة، لمدة ست سنوات، ضيفاً على الملك عبد العزيز.أتقن العربية، وتزوّج من إحدى أسر حائل المقيمة في المدينة المنورة فتاةً أصبحت أم ولده الوحيد (طلال)، المفكر الأنثروبولوجي الذي يعيش في أميركا حالياً، ثم انتقل بعد ذلك إلى شبه القارة الهندية، حيث توثقت علاقته بالعلامة الشاعر محمد إقبال، وظل يسهم في نهضة الإسلام في تلك البلاد، إلى أن انفصلت باكستان عنها، فانتقل إلى الإقامة في الدولة المسلمة الجديدة، واكتسب جنسيتها، وأصبح مندوبها الدائم في الأمم المتحدة حتى عام 1953م.

رحلات نحو سلال الضوء:

وسط بيئة برجوازيّة ليبراليّة ميسورة، ذات جذور يهوديّة مهاجرة، نشأ ليوبولد. وحاولت والدته أن تُعِدّه ليكون حاخامًا يهوديا كجده. فأتقن اللغة العبرية، وتبحر في دراسة التوراة والتلمود، ودرس تاريخ الفن والفلسفة في جامعة فيينا.وعلى الرغم من أنه تأهّل للجنسيّة النمساويّة إلا أنه قرّر مغادرة فيينا،إذ كانت عيناه تتجهان صوب برلين. وجد المجتمع الألماني، في أعقاب الخروج من الحرب العالميّة الأولى، يعجّ بالتحوّلات الاقتصاديّة، والتجديدات السياسيّة والاجتماعيّة والإبداعيّة، وبالحياة البوهيميّة التي كانت تغمر حياة بعض أهل الفن والأدب من الشباب. فانغمس في الأوساط الثقافية هناك على ما فيها من مفارقات.

القدس.. إعادة ضبط البوصلة:

وجد “أسد” في ألمانيا عالماً يناسب نفسيّته، وشعورًا بالاستقلاليّة، لكن ضيق الحال أدخله مؤقّتاً في عالم السينما، ثم إلى الصحافة بوظيفة بسيطة خدمه الحظّ عبرها لأن يكتب سبقاً صحافياً؛ أهّله للتجوال أعواماً أربعة في بلدان الشرق الأدنى، بما فيها القدس التي كانت نقطة تحوّل في حياته، صقلت تجربته وصاغت مؤثرات تحوّلاته الفكريّة، فأعد تقارير صحافية عن الحياة فيها، وعن مجتمعات المدن الإسلاميّة، كالقاهرة وبغداد وحلب وإسطنبول وبلاد فارس وأفغانستان وغيرها، لصالح صحف نمساويّة وألمانية وسويسريّة وهولنديّة متحدثًا عن الجوانب السياسيّة والاجتماعيّة والدينية في تقاريره.

 لقد عمل ليوبولد في فرع لوكالة “يونايتد برس أوف أميركا”، ثم  محررا ثقافيا في صحيفة “فرانكفورت”.

كانت رحلته إلى القدس مفتاح التغيير في علاقته مع الشعوب الإسلامية، ولعله كما يقول البعض: أشهر يهودي يعتنق الإسلام في القرن العشرين. سافر بعد ذلك لأداء فريضة الحج، واستقر في المدينة المنورة وتعرّف على الملك عبدالعزيز، وعمل مستشارًا له، ولقد بدا واضحُا أن عقيدته الجديدة، أصبحت تسيطر على كل أفكاره، وباتت نوافذ ماضيه الأوروبي تنحسر تدريجيّاً. أوقدت رحلاته المتعدّدة إلى بلاد الشرق الأدنى، جذوة البحث عن منطلقات فكريَّة جديدة خارج أوروبا، فتولّدت عنده فكرة التحوّل، فاكتشف فضائل الإسلام في البلدان التي زارها، وناهض الحركة الصهيونيّة، وعبّر عن انتقاده لتجريد الفلسطينيّين العرب من حقوقهم الوطنيّة المشروعة.

رحلة الحج:

خلال عام من اعتناقه الإسلام، أدّى مناسك الحج سنة 1927، وقد قدّمه الأمير فيصل إلى الملك عبد العزيز، فحظي بثقته، وبنى صداقة وثيقة معه، وصار يلتقيه يوميّاً، كما قام بإعداد تقارير صحافية عن أوضاع البلاد. فانطلقت ملحمة عقل من أبرز عقول القرن العشرين مع الإسلام، وقد وثق محمد أسد أغلب هذه المراحل في كتابه «الطريق إلى مكة».

الرحلة لا تتوقف:

في عام 1932م، واصل محمد أسد رحلاته، فغادر وزوجته منيرة وابنهما طلال نحو القارة الهنديّة، تلبيةً لدعوة من بعض مفكّريها، لكن  السلطات البريطانيّة اعتقلته لأنه كان يحمل جوازاً نمساويّاً، كانت تلك السنوات فترة رمادية في حياته.

أُفرج عنه بعد ست سنوات فشهد ميلاد دولة باكستان، وأسهم فيه مع الشاعر والفيلسوف مؤسس باكستان محمد إقبال، ونال جنسيّتها وحمل جواز سفرها تكريمًا لجهوده ، وكان مندوبها في الأمم المتّحدة، وأسهم في نهضة باكستان الثقافية،  فأنشأ في لاهور دار عرفات للنشر، أصدرت في عامي 1946 و1947م صحيفة «عرفات» وهي مجلة شهريّة نقديّة متخصّصة في الفكر الإسلامي، ضمّنها الكثير من أفكاره.

واصل الترحال بعدما استقال من وظيفته فتنقل بين أميركا والمغرب ولبنان وجبل طارق والبرتغال وسويسرا، حيث بقي عشر سنوات تفرغ فيها للكتابة والتأليف، ثم رحل إلى مدينة طنجة المغربية، وقضى فيها 20 عاما. واستقر أخيرًا في بلدة ميخاس بجنوب إسبانيا، وبقي أهل هذه البلاد ورموزها وقادتها يُكنّون له المودّة.

حياته الاجتماعية:

تزوج أسد ثلاث مرات:  إلزا زوجته الأولى، رسّامة تكبره باثنين وعشرين عاماً، وتشاركه الأفكار نحو الشرق، توفيت في مكة المكرمة بمرض الملاريا، بعد أيام من أدائها فريضة الحج رفقته. ثم تزوّج عام 1930م من فتاة من حائل، ومقيمة في المدينة المنورة، الفتاة التي أصبحت أم ولده الوحيد (طلال)، وقد استمرّ زواجه هو ومنيرة أكثر من عشرين عاماً، ثم انفصلا واستقرّت الأم في المدينة المنوّرة. أما طلال محمد أسد المولود في المدينة المنوّرة عام 1932م، فاكتسب الجنسيّة البريطانيّة، وحصل من جامعة أكسفورد على الدكتوراة في علم الإنسان وأنثروبولوجيا الدين والثقافة، وزار خلال مرض والدته الأخير الرياض عام 1978م، وألقى خلالها محاضرات في جامعة الملك سعود.

كتبه وترجمته للقرآن الكريم:

في عام 1964م بدأ “أسد” في كتابة ترجمة معاني القرآن الكريم، وأمضى 17 عاماً. وفي العام 1980م صدرت واحدة من أهم ترجمات معاني القرآن الكريم إلى الإنجليزية عن “دار الأندلس” بجبل طارق. وتقع الترجمة الكاملة في ألف صفحة من القطع الكبير، ويشغل الجزءَ العلوىَّ من كل صفحة النصٌّ القرآنى في الناحية اليمنى، وترجمته الإنجليزية على اليسار، أما الجزء السفلىّ فيضم الهوامش التفسيرية، والتعليقات الفنية الخاصة بعملية الترجمة ومع بداية كل سورة يضع تمهيداً يتحدث عن تاريخ النزول.كما قام أسد أيضًا، بترجمات وتعليقات عدة، على صحيح البخاري. إضافة إلى كتاب “الإسلام على مفترق الطرق”، وكتابه الأشهر: “الطريق إلى مكة“، وهو الذي يتحدث فيه عن ذهابه إلى مكة وأداء فريضة الحج، وعلاقة الود بينه وبين الملك عبدالعزيز، وتجربته مع زيجاته، كما قام بوصف الرحلات والمخاطر التي واجهها، وتحدّث عن دليل رحلته وهو رجل  من حائل اسمه «زيد بن غانم الشمّري»، كان التقاه في بادية الشام عام 1924م، واستمرّ معه طيلة ترحاله. بالإضافة إلى كتابه: “مبادئ الدولة في الإسلام”.

الرحيل:

توفي أسد -رحمه الله- في العام 1992م في بلدة ميخاس الأسبانية، ودفن في مقابر المسلمين في غرناطة.