عندما قررت الذهاب لمشعر مِنى، لم يكن لدي أي فكرة يمكنني تناولها، لكتابة قصة من قصص الحج التي اعتدنا أن نكتبها نحن الصحفيين، لكنني كنت على ثقة أنني سأجد قصتي في أكنة الجبال التي تحيط بمنى!

ركبت السيارة التي أقلتني مع زميلين آخرين، أحدهما مصور والآخر ينتمي مثلي لبلاط صاحبة الجلالة، برفقة السائق، وتحركنا في طرقات مكة متجهين إلى منى.

طوال الطريق الذي استغرق أكثر من نصف الساعة، حتى وصولنا لوجهتنا صادفنا أكثر من نقطة تفتيش ودوريات لمرور العاصمة المقدسة، والذين كانوا بعد تأكدهم من وجود التصاريح اللازمة لأداء مهمتنا، يودعوننا بإبتسامة ترافقها دعوات التوفيق.

أكملنا الطريق في صمت؛ تأرجح بين صمت غرباء، جمعتهم مهمة البحث عن قصة مختلفة؛ لا تشبه تلك التي تسطرها كورونا؛ في زمن حج اختلفت المشاعر والسلوكيات في أيامه المعدودات؛ بينما تظل شعائره ثابتة برسوخ مشاعرها المقدسة.

صمت الغرباء الذي لفّ السيارة، لا يقطعه إلا طنين الهواتف النقالة، التي عكف كلٌ منًا على الإشتغال بها؛ إما للتصوير أو الكتابة؛ أو في انتظار إجابة على إتصال هاتفي للتنسيق أو التأكد من حضور أبطال قصص، تجتاح مخيلة صحفيين ومصور!

ذلك الصمت قطعه الزميل “علي” بكلمات، لم أتمكن من التقاطها لانشغالي بكتابة هذا التقرير؛ ليعود الصمت مجدداً قبل أن أقطعه بتساؤل عن المنطقة التي نمر بها، وهل دخلنا مشعر منى؟ لأحظى بجواب يحدد موقعنا خارج مكة وفي حدود منى.

وليأتيني يقين بأن “أهل مكة لم يعودوا أدرى بشعابها”، سوى تلك القديمة التي حفظتها ذاكرة قلوبهم، لا مكة الساعية للتطور والتحديث لخدمة ضيوف رب البيت العتيق، مكة الوادي غير ذي زرع التي اتسعت بمشاعرها المقدسة؛ لتبدو شوارعها أكثر رشاقة وتنظيماً، ناهيك عن التعقيم الذي استقبلتنا به منى، قبل أن نكون في رحاب أبطال قصصنا.على مدى ساعتين، المدة التي استغرقناها، لإنجاز مهمتنا في مشعر منى وداخل أبراجها؛ التي يقضي فيها ضيوف الرحمن أيام التشريق الثلاثة، مقصرين ومحلقين، كنّا نتجول بحذر، في ضيافة قطاعات وزارية وتعاونها، بجميع تفرعاتها وإداراتها؛ قبل أن نعود أدراجنا، وفي جعبتنا قصة لدمعة حائرة، وصالون حلاقة خمسة نجوم.