نفذ سيدنا إبراهيم أمر ربه وهاجر بزوجته هاجر وابنها إسماعيل إلى مكة، مكة التي لم تكن حينها سوى أرض جدباء خالية من أي معالم الحياة، فدعى الله سائلًا أن يعينهم: “رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)”، فتفجرت بئر زمزم تحت قدمي اسماعيل، باعثاً الحياة في شعاب وأرجاء مكة.

وبعد توافد القبائل على مكة وتصارعها على سيادة المكان، زادت الحاجة إلى موارد الماء، فحفرت الأبار حول البيت العتيق، واندثر أغلبها بعد أن جف أو طمر إبان حروب القبائل وصراعاتها، وكان من بين أشهر الآبار المحيطة بالكعبة -كما أورد المؤرخون- “بئر العجول” وهي أول بئر حفرت في الجاهلية، حفرها قصي بن كلاب، وكانت تقع في الركن الجنوبي للمسجد الحرام المقابل لأجياد الكبير، في دار أم هانئ بنت أبي طالب، ولما دخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة اغتسل منها، وأجار لأم هاني ما سألت، وقد ردم البئر عند إزالة دار أم هانئ في توسعة محمد المهدي، إلى جانب “بئر أبي” والتي حفرها خلف بن وهب الجمحي، وتقع في الركن الغربي الجنوبي للمسجد الحرام بين باب العمرة وبين باب الملك عبدالعزيز.

كما حفر عبد شمس بن عبد مناف “بئر أم جعلان” في شرقي المسجد الحرام عند باب بني شيبة والآن في داخل صحن المطاف، و”بئر شفية” التي حفرتها قبيلة بنو أسد بن عبد العزى، وكانت تقع في الجانب الغربي للمسجد الحرام بجوار سوق الصغير في توسعة الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود -رحمه الله-، و”بئر الغمر” التي حفرها العاص ابن وائل في الجهة الشمالية الغربية من المسجد الحرام في مقابل باب العمرة على سفح جبل قعيقعان الغربي.

وكان من بين الآبار المحفورة في الجاهلية “بئر سجلة” وقد حفرها قصي بن كلاب ثم أعاد حفرها جبير بن مُطعم بن جبير وظل ماؤها في خدمة الأهالي والحجيج إلى أن دخلت في توسعة المسجد الحرام الأولى، وكانت بين الصفا والمروة في الجنوب الغربي من المسجد الحرام، و”بئر بني نوفل” التي حفرها هاشم بن عبد مناف قبل الإسلام جهة الصفا، و”بئر حويطب بن عبد العزى” في شمال المسجد الحرام بسفح جبل الخندمة في شعب عامر.

وشهد العصر الإسلامي حفر آبار عدة منها “بئر شوذب” مولى معاوية بن أبي سفيان، و”بئر المدعون”، و”بئر عكرمة بن خالد بن العاص”، و”بئر عبدالله بن الزبير” المعروفة بـ”السقيا”، و”بئر عند باب الباسطية ” المعروفة بـ”العجلة”، ولكن أشهره “بئر الراية”، المنسوبة إلى راية فتح مكة التي حملها خالد بن الوليد، والمحفورة في “حارة الباب”.