قبيل عام 1900م، زار المستشرق الهولندي والباحث في اللغات والثقافات الشرقية “سنوك هرخرونيه ” مكة المكرمة، وأعلن إسلامه، وبقي فيها سنوات، ثم أصدر كتابًا عمّا شاهده، ومن ذلك عمل الطوافة والمطوفون، إذ يقول: “تعتبر الطوافة من المهن المهمة في مكة المكرمة، ويقدم كل مطوف خدماته إلى شعب معين من الشعوب المختلفة، التي تفد إلى مكة المكرمة للحج أو العمرة، إذ يجب عليه أن يعرف لغتهم، وأن يتعرف على الكثير من أحوالهم وشؤونهم الخاصة؛ ليتسنى له تقديم كل مساعدة ممكنة لهم”.

وحيث إن لكل جنسية من الحجاج طبائع واهتمامات مختلفة، لذا فإن كل جنسية لها أماكن تزورها، وعلى المطوف أن يدرك ذلك. ويدرك المطوف أن من واجباته أيضا أن يساعد الحكومة في تطبيق الأنظمة والتعليمات الخاصة بذلك.

ويلزم كل مطوف أن يعرف البواخر القادمة إلى جدة، وبالذات تلك التي تقل الحجاج الذين يتبعونه، وعندما تكون السفينة تقل شخصيات مهمة، فإن عليه أن يذهب بنفسه إلى جدة، أو يرسل ابنه ليشرف على عملية الاستقبال، أما الأشخاص العاديون، فينهي الوكيل الموجود في جدة إجراءات وصولهم. وعند نزول الحجاج من البواخر، يستقبلهم المطوف وصبيانه، ويساعدونهم في حمل أمتعتهم، كما يسهلون إجراءات التفتيش من قبل موظفي الجمارك.

ويتعرف المطوف من الحجاج القادمين على المدة التي سيقضونها في الديار المقدسة، وعلى نوع السكن الذي يريدون، وما الأشياء التي يفضلونها في السكن، وقبل هذا الاتفاق على أجرة السكن. ثم يصحبهم المطوف إلى مكة المكرمة، حيث السكن والإقامة، ويحصل المطوف على بعض المال من صاحب السكن مقابل اختياره لداره، ويعملون على إرشاد الحجاج إلى الأماكن التي ينبغي لهم زيارتها، ويرغبون الحجاج في زيارتها، بذكر جزاء وأجر من زارها.

ويعمل المطوف على جميع الترتيبات في الحج، فهو يتولى إحضار الجمال والخيام والحطب، وكافة الترتيبات اللازمة للسفر إلى عرفات وإيابًا، كما يتولى إحضار الذبائح إلى منى، وفي كل خطوة من خطوات الحج يقوم مساعدو المطوف بإرشاد الحجاج بلغتهم التي يتكلمون بها إلى الأشياء التي يجب عليهم أن يعملوها، من أول الحج إلى آخره. ويذهب الحجاج إلى المدينة قبل الحج أو بعده، وعلى المطوف أن يرتب أمر هذه الزيارة، باستئجار الجمال واللوازم المختلفة.

ولكل مطوفي بلد ما نقابة أو طائفة خاصة بهم، ويطلق في العادة على المطوف اسم “شيخ”، أما رئيس النقابة أو الطائفة فيطلق عليه “شيخ المشايخ”.

إن عمل الطوافة مبني على تقاليد موروثة، وشيخ الطائفة هو الذي يقرر أيضا قبول أعضاء جدد في المهنة آخذًا في عين الاعتبار ألا يكون عدد الداخلين كثيرًا بحيث يؤثر ذلك في التنافس بين أفراد الطائفة، وكذلك ينظر في مدى صلاحية الأعضاء الجدد، ومدى حصولهم على كفاءة جيدة في العمل.

ولتأكيد قبول العضوية الجديدة للفرد، لابد من عمل وليمة لأفراد الطائفة، يقوم بها العضو الجديد، تسمى “مَعلمِيّة”، حيث ينهض العضو الجديد ويقول : “إنني أطلب من الشيخ أن يسمح لي بممارسة الحرفة التي وهبها الله سبحانه وتعالى” ، فيطلب منه الشيخ أن يطيعه، وأن يكون أخًا صالحًا لزملائه في الحرفة، فيتعهد الرجل بذلك، وتقرأ الفاتحة من جميع الحاضرين بنية التوفيق والقبول.

صفحات من تاريخ مكة المكرمة ، ك. سنوك هرخرونيه ، مركز تاريخ مكة المكرمة، المجلد الثاني، ص 365 – 372 (بتصرف).