لو أردت اليوم السفر إلى أقصى بقاع الأرض بعدًا عنك، لن يستغرق ذلك منك سفر يوم. الطائرات اليوم يسّرت ما كان صعبًا، وقصّرت ما كان طويلًا، وكلنا شاكرون لذلك، خصوصًا الحجاج. إلا أن هذه لم تكن الحالة دائمًا، ويشهد على ذلك كتاب “حملات الحج الكويتية عبر التاريخ”، الذي يوضّح الرحلة الطويلة التي كان يقطعها الحجّاج الكويتيون قديمًا لبيت الله الحرام، الرحلة التي لن تستغرقهم ساعات في يومنا الحالي.

مما ذُكر في الكتاب:

تبدأ رحلة الحج في الكويت حينها باختيار صاحب الحملة، ومهنة ” قيادة حملة حج” يشترط في صاحبها أن يكون ممن لهم خبرة جيدة بالصحراء ومسارات الطرق وأماكن تواجد المياه، ولهم خبرة أيضا في تفادي المخاطر المحتملة.
ويتولى قائد الحملة لقاء مبلغ من المال توفير الجمال والغذاء والسكن لأفراد القافلة، ويحدد لهم ساعة الانطلاق، وغالبا ما تكون قبل وقت كاف، تحسبا لأي ظرف قد يحدث لقافلته، وبحسب نيته زيارة المدينة المنورة بعد الحج أو قبله.
وتستغرق رحلة الحج عادة ثلاثة أشهر ذهابا وعودة، تبدأ من شهر ذي القعدة إلى شهر صفر.
وعندما يقرر أحد أفراد الأسرة الحج، يرفع علم أحمر أو أبيض أو أخضر على أسطح البيوت للدلالة على سفر أحدهم، وهناك تقليد شعبي لبنات الحي؛ إذ يحملن سلة صغيرة تسمى ” الحيّة ” وهي بيل من الخوص يزرع فيه بعض النباتات كالحلبة أو الشعير أو الرشاد، وعند وقت وصولهم يكون النبات قد كبر، وإن فسد فمعناه أن مكروها قد حصل لهم، ويتجهن بالسلال إلى البحر ويرددن هناك:
ياحياتي يا بيتي
حيي لأبوي
حيي لأمي
ثم يرمين السلال في البحر وهن مسرورات.
ويبدأ قائد الحملة بتجهيز الجمال إما بشرائها أو استئجارها، ثم يركب المحمل أو هودج النساء -والهودج قبة يوضع على ظهر الجمل يمكنه من حمل امرأتين مصنوع من أغصان الخيزران أو الأثل، ويغطى بغطاء سميك اتقاء للظروف الجوية المختلفة-.
أما الجمال التي سيمتطيها الرجال، فيكتفى فيها بتركيب ما يعرف بالشداد، وعلى جانبيه خرجان يضع الحاج فيهما أمتعته، على أن يمسك الراكب بقطعة خشب بارزة أمامه؛ حفظا لتوازنه فوق ظهر الجمل.
كما على قائد الحملة أن يستعين بعدد من الرجال الذين لهم خبرة في الطرق البرية، ويصل عددهم إلى الثلاثين تقريبا، ويمسك هؤلاء بالجمال التي تحمل النساء، وهم يسيرون على أقدامهم.
وتنطلق الرحلة مع بداية شهر ذي القعدة، مع مرافقة أهالي الحجاج لحملات الحج عند مغادرتها الكويت إلى أماكن تجمع القوافل لتوديعهم، ثم تنطلق القافلة إلى مكة عبر الجهراء ثم حفر الباطن ثم الأرطاوية وأم الجماجم ثم القصيم، ثم مكة المكرمة عبر الطريق الجنوب الغربي، أما من اختار زيارة المدينة المنورة فيتجه عبر الطريق الغربي، مرورا بعقلة الصقور والنقرة وعرجا والحناكية، وإذا وصلوا المدينة، قضوا فيها أياما يزورون فيها المسجد النبوي ويصلون فيه، ويزورون أيضا قبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- والمساجد التاريخية، ثم يشقون طريقهم إلى مكة المكرمة.
وتسير القافلة أول الصباح الباكر، حتى تشتد الشمس حيث تتوقف للاستراحة وتناول بعض الطعام والقهوة، وتسمى هذه الاستراحة ” مضحى ” وتترك الجمال في هذه الفترة لترعى في الصحراء، وقد عُقِلت رجلاها الأماميتان حتى لا تبتعد عن الحملة، وتستأنف الحملة بعد الاستراحة مسيرتها إلى العصر حيث يتوقفون أيضًا
للصلاة والغداء ونيل قسط من الراحة ثم يكملون المسير حتى إذا ما حل الغروب أناخوا جمالهم للراحة وتناول العشاء ثم النوم.
وتتوقف الحملات للاستراحة عادة في الأماكن الآمنة والقريبة من آبار الماء حيث يتزودون بالماء، مستعملين بعض الأقمشة لتصفية المياه من الشوائب، ويُسحَب الماء من الآبار بواسطة الجمال التي تسحب القرب الكبيرة المربوطة بالحبال لاستخراج الماء من الآبار التي يزيد عمقها في بعض الأحيان عن ستين مترًا
وعند توقف الحملة مع أذان المغرب يقوم الرجال بنصب خيامهم ثم تبدأ كل مجموعة أو عائلة بتجهيز طعامها بعد صلاة المغرب، استعدادًا لتناول العشاء ثم المبيت، ليعودوا للمسير فجرًت، وهكذا إلى أن يصلوا إلى المكان المطلوب..
وعندما تصل القافلة إلى مكة المكرمة فيحرمون من ” قرن المنازل ” ثم ينصبون خيامهم على أطراف مكة المكرمة، في حين يسكن المقتدرون في البيوت المخصصة للإيجار، مقابل خمسين إلى ثمانين ريالًا.
وربما تعرضت القافلة في طريقها إلى كثير من قطاع الطرق، لكن الطرق غدت آمنة بعد تولي الملك عبدالعزيز الحكم وبسط نفوذه على أرجاء الجزيرة العربية.
وعندما تنتهي رحلة الحج وتعود القافلة إلى الكويت، يتقدم شخص يسمى البشير، ليسبق القافلة وليشيع خبر وصولها، ويتلقى من الأهالي بعض الهدايا فرحا بذلك.