“إنه يقول إنك أنت مسافر، وهو مسافر، وطريقكما واحدة.”
هذا ما قاله المترجم لمحمد أسد (صحافي نمساوي أسلم بعد ما ولد يهودياً)، عن البدوي الذي كان جالسًا مقابله في قطار يشقّ صحراء سيناء. ابتاع البدوية قطعة من الكعك وانتبه لمحمد أسد عندما كان على وشك الجلوس، حيث قسّم الكعكة نصفين وقدمها بابتسامة صامتة ثم قال كلمة لم يفهمها أسد، حيث عرف بعدها أنها “تفضّل” أومأ أسد برأسه لشكره بعد أن ترجم له الشخص المجاور بلغة إنجليزية مكسّرة الجملة أعلاه.
في طريقه إلى مكة، يصف أسد الأناشيد التي يغني بها رجال القوافل المنتشرة في جزيرة العرب لجمالهم حتى تبقى “منتظمة الخطو سريعة، وليطردوا هم أنفسهم النعاس عن أعنيهم.” يصف الأغاني ويقول: “أناشيد رجال الصحراء الذين ألفوا فضاءًا لا يعرف الحدود ولا الأصداء; ذات طبقة واحدة لا تتغير، مسترخية مبحوحة إلى حد ما.” تحدّث أسد عن تاريخ هذه الأغاني فقال: ” لابدّ أن يكون أبوه قد غنّى من قبله، وجميع رجال قبيلته وغيرها من القبائل خلال آلاف من السنين، ذلك أن آلافًا من السنين كانت ضرورية لصوغ هذه النغمات والألحان والنغمات الرتيبة إلى الحدود، ولإعطاء شكلها النهائي الحاضر. دائماً تميل إلى أن تعبّر عن شعور الفرد.”
توقّف أسد في دمشق ووصف المشهد الذي تكرّر حيث يقول: “أكثر ما رأيت زبون يقف أمام دكان غاب صاحبه عنه، يتساءل فيما بينه وبين نفسه ما إذا كان ينتظر عودة البائع أو ينتقل إلى الدكان المجاور فيتقدم البائع المجاور دائما ًويسأل الزبون عن حاجته، ويبيعه ما يطلب من البضاعة -لا بضاعته هو، بل بضاعة جاره الغائب – ويترك له الثمن على مقعده.”
“وبدى لأعيننا نخيل حائل.”
عندما وصل أسد مع رفيقه لحائل بعد سفر طويل، تكلم عن: “العادة العربية القديمة، التي تعنى دائماً بالذوق والجمال الشخصيين، والتي تتطلب من المسافر أن لا يدخل أية بلدة إلا وهو في أحسن لباسه، وهو نشيط ونظيف كأنما لم يمتطي هجينه إلا منذ لحظات.” غسلوا بالماء الباقي لديهم أيديهم ووجوههم، وقصّوا لحاهم، ولبسوا أشد الثياب بياضًا ووضعوا على هجينهم أحسن الحلي والزخارف.
أثناء ترحاله، سمع أسد بدويًا أميًا يتلو أبياتا ً للمتنبي وعلّق على ذلك وقال: ” تشارك جماهير غفيرة من المسلمين غير المثقفين، وأحياناً الأميين أنفسهم، يومياً وبصورة واعية بمآثر ماضيهم الثقافية.” وفسّر أحد الأسباب لذلك حيث كتب: ” تمكن من أن يذكر أبياتاً من شعر المتنبي تناسب المقام وتمثل حالة شهدها بنفسه.
يكتب محمد أسد كتابه وهو في الطريق إلى مكة أنّه يسمع الناس يتكلمون ويتهامسون بلغات كثيرة أو يرددون “لبيك اللهم لبيك،” ووصف فرحتهم لذهابهم للحج، في أغاني مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي إطلاق فلاحة مصرية “صيحة سرور” تسمى “زغروطة” وهي “التي تطلقها نساء العرب في جميع المناسبات البهيجة مثل الزفاف والولادة والحفلات الدينية وطبعاً، الحج.”
وأخيرًا في اللّحظة الأخيرة، مكة. لاحظ أسد “وجود إبراهيم روحيًا في بلاد العرب وفي جميع أقطار العالم الإسلامي،”حيث أن المسلمين يسمّون أطفالهم على إبراهيم، كما يكرّرون اسمه في كل صلاة خمس مرات في اليوم بالقرآن”. ويذكر “الأهمية العظمى التي يعطيها الإسلام للحج السنوي إلى مكة، هذا الحج الذي ما زال منذ قديم الأزمنة وطيد الصلة بقصة إبراهيم.”
وأثناء الحجّ في الحرم المكي، كان يتابع أسد الطواف، ثم تقدم لينضم إليهم “وأصبحت جزءًا من ذلك السيل الدائري حول الكعبة.”

كتاب الطريق إلى مكة، محمد أسد