تعاود عقارب الساعة أدراجها، في مخيلة الحاجان “عمران” و”أمير”، لتنتثر ذكرياتهما الحزينة على جنبات المشاعر المقدسة، مشكّلة أشواك من الأحزان، تنغرس في أعماق قلبيهما، وتمنع اكتمال فرحتهما بتحقق حلمهما الكبير (حج بيت الله الحرام).

بدأ لهما أن كل جزء من المشاعر المقدسة يعرض أمامهما شريط الذكريات المؤلمة، عندما فقدا صديقهما أديب إثر موجة أمطار داهمت قريتهم الباكستانية.

خطواتهما المثقلة، ووجهيهما المكسوة بالحزن، دفعتنا للتحدث إليهم، لم يكن لديهم الرغبة في خوض أي نقاشات، إلا اننا اصرينا على معرفة سبب حزنهم، الذي لا يمكن اخفائه، ليتحدثا أخيرا: تعاهدنا أن نأتي ثلاثتنا إلى الحج، ولكن أديب ليس هنا، لم يكن بجوارنا في مقعد الطائرة، لن يتمكن من رؤية الكعبة، ولا حتى صعود جبل الرحمة، لن يشعر بما نشعر به، لم يمهله الموت، حتى نحقق أمنيتنا بالحج سويا.

لم يتمالك “عمران” نفسه، فانهمرت دموعه، أجهش باكيا، بالرغم من محاولات “أمير” تهدئته، ليلتفت لنا قائلا: منذ أن كنا شباناً، ونحن نحلم بأن نحج سويا ونزور المسجد النبوي، كان أديب أكثرنا حماسة واهتماما بهذا الأمر، تخيلنا أننا في المشاعر المقدسة لمرات عدة، ولكن في ذات يوم، داهمت الأمطار قريتنا، ليكون ضحيتها أديب، وأمنيتنا في الحج سويا.

قاطعه أمير قائلا: منذ أن دخلنا السعودية لم نفوت مكانا واحدا إلا ودعونا له فيه، غادر الحياة ولكنه لن يغادر قلوب أصدقائه، تعاهدنا أن نحقق حلمه ونحج عنه متى ما أتيحت لنا الفرصة.

تابعا طريقهما إلى الجمرات، وبقي صدى وفائهما يدوي في المكان، وكأن مشعر منى يربت على كتفيهما، ويلملم جروحهما.