ممن صاغ مشاعره الجامحة بقلمٍ عربيٍّ سيّال، وصوّر فيضان أشواقه إلى مكّة حَرَمِها والجِبالِ، عبدُالله بن محمد بن محمد العبدري الحاحائي في “رحلته المغربية”، والذي دخل مكة يوم الثلاثاء، ثامن ذي الحجة سنة 688 هـ أي قبل وفاته بسنة، والفصل فصل شتاء فيقول:

“ثم نزل الركب بالمحصب يوم الإثنين سابعَ ذي الحجة، وبات به ليلةً ثم رحل من الغدِ وهو يوم التروية إلى منى. وفي يوم التروية دخلتُ إلى البلد الأمين، مقرِّ المجدِ الصميم والشرف المكين، فخرِ بقاع الأرض كلِّها على مرِّ السنين فأقسم بالله أعظمَ يمينٍ، قسماً لا يكذب ولا يَمِينُ، ما حرم سكناه إلا ذو حظ غبين.”

ثم أنشد من شعره قطعةً عذبة، يقول فيها:

بلدٌ نحوه يحنُّ الرسول .. وبه علقت قديمًا عقولُ
بلدٌ إن رآه يومًا مَشوقٌ.. قال: لمني، أو لا تلم يا عذول
لو رأى من سناهُ غيلانٌ ميٍّ.. بارقًا لم تشقه تلك الطلول
أسفي إن حُرمتُ سكنى حماه.. وعداني عن الزمان المطولُ
يا لحظ بخشته في ثناء .. عن مغانٍ لها حديثي يطولُ
لاح لي مرّةً كما زار طيفٌ .. أو وذاعٌ إذا استقلَّ الحمول
كنتُ أرجو به شفاء غليلي .. فإذا فيه لي جوى وغليلُ
أسعداني بذكره يا خليلــ .. ــيَّ فقد يُسعد الخليل الخليلُ
وعداني ومنّياني وصولًا.. فقصارى منى الفؤاد الوصول
يا لربعٍ غدا به ربع صبري .. وهو مستعجم الرسوم محيلُ
منذ فارقته فدمعي سيلٌ.. والأسى غيمه وخدي مسيلُ
ورمى بعده بعيِّ لساني .. لست أدري من بعده ما أقول!

ثم يعود بعد ذلك إلى نثره الرقراق، فيقول:

“يا له مشهدًا شهد له التنزيل بالتفضل، وسما عن أن يُقرَن بعديل أو مثيل، ما كاده أحدٌ إلا وشبا حدِّه فليل، ولا مال إليه بظلمٍ إلا والآفات عليه تميل، ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل! بلدٌ كأنَّ نفوسَ الخلقِ عُجنتْ من طينته، فالخواطرُ مشغولةٌ بتصوّر زينته، انزعج نحوَه عقلٌ طالما سارَ على هيئته، وابتُذِلَ بالسعي بدنٌ نشأ على سكينته، يقطع إليه ميلًا بعد ميلٍ.
كم حوى من مآثر لا تُحدّ! كم ضمَّ من مفاخرَ لا تعدُّ! كم به من أشعثَ دعوتُه لا تُردُّ! تودّه الدنيا وهو يعلم ما يودّ، مال عنها وهي للعقول تستميل. حرمٌ لا تُهتك حماه، شرفٌ لا يُحط علاه، علمٌ لا يُجحد هداه.
من أمّه من قفر التيه هداه، ويُشفى إن مسح به العليل، إن حَلّه مُناءٍ استقام منه ما أقادَ، وإن رآه الصعب سَلِسَ له وانقاد، يسلو به الفتى عما ألِف واعتاد، ويأمن مكر من مَكَرَهُ أو كاد، ويظل الخائف ما عليه من سبيل، وهو ربع السلامة لا ربع بذي سلم، كم فيه للهدى من رسمٍ وعلم، كم جبر به من الدين ما انثلم! كم أمَّه بالقصد ناقصٌ فلم يلبث أن أُمِدَّ بالتفضيل! هنيئًا لمن أصبح به قاطنًا لقد ظفر بالمنى ظاهرًا وباطنًا، يكفيه فيه من محكم كتابنا «ومن دخله كان آمنا». لا خلف فيه ولا تبديل.
ما عسى أن يسرد الواصف! ما عسى أن يمدح السالف والخالف! ما عسى أن يُنقِصَ من البحر الغارف! فإن العجزَ سواءٌ أُقصِّرُ أم أُطِيلُ. ليت شعري هل أعود إليه ثانيةً؟! ليت شعري هل تُفَكُّ هذه النفس العانية؟! ليت شعري في منى ترفض هذه الفانية؟! فتصبح الآمال بمكة دانية، وحبّذا فيها المعرس والمقيل“.

ثم لا يقف فيضان شعوره عند هذا الحدِّ، فنجده، يعاود الكتابة عن شعوره الدافق لمكة، وشوقه -وهو حالٌّ بها- لها، فيقول:

”إن مكّة -شرّفها الله- من عظيم آيات الله في الأرض، الدالة على عظيم قدرته، فإنها بلدٌ يسبي العقول والخلق، ويستولي على قلوبهم، ويمتلك رِقَّها من غير سببٍ ظاهر، والنفوس إليه نزّاعة من كل أرضً، ولا يدخله أحدٌ إلا أخذ بمجامع قلبه، مع عدم الدواعي إلى ذلك، ولا يفارقه إلا وله إليه حنينٌ، ولو أقام على الضنك سنين، لا يملُّ سكناه، ولا تضيق النفس بلزوم مغناه، على أنه بوادٍ -كما قال الله عزَّ وجلَّ- غير ذي زرعٍ، وأرضها جدبةٌ كلها حجرٌ، لا ماء بها وشجر..
وقلّما ترى منهم (أي أهلها) من يتبرّم بسكناها، ولا من يُسَرُّ بالانفصال عنها! وما فارقها أحدٌ إلا وفي نيّته الرجوع إليها، وهذا أمرٌ أطبق عليه السالفُ ممن رآها والخالفُ، واتّفق عليه الموالف ممن شاهدها والمخالفُ، لا يخلو فِكْرٌ من تصوّرها، ولا خاطرٌ من توهّمها، فهي نصب الأعين وحشو القلب، حكمةً من الله، وتصديقًا لدعوة الخليل. يحضرها الشوق إليها وهي غائبة، ويُدنيها وهي نائية، ويهوّن ما يتكلَّفُ إليها من المَشاقّ، وما يعاني إليها من العناء“

ثم يصفُ حال المشتاقين المسافرين إليها:

”فكم من ضعيفٍ يرى في الطريق إليها الموت عيانًا، ويُبصر فيها الحَيْن مشاهدةً، ويلقى فيها الردى مكافحةً، يطوي الليالي والأيام تطويه، وتتقاذف به الفلوات والبيد، يسقط في كل مرحلةٍ جزءٌ من قواه، وينهدُّ في كل مرحلةٍ جانبٌ من جثّته. يُقدم على الردى وهو يشاهده..ويباشره الأذى من غير حائل، وينافحه من غير جُنَّةٍ. رجله مطّيته، وأخمصه حذاؤه، وبَشَرَتُه دِثاره! لا زاد إلا ما ترشح به الأكفُّ، ولا ماء إلا ما يتبرَّضُ في المناهل، فلا يصلُ إليها إلا وهو نضو دَنِفٌ، قد سامه ليبتاعه التَّلَف، فما هو إلا أن يرُدَّه امتداد الأجل إلى أرضه، ويرميه إلى مسقط رأسه، حتى تراه مستعدَّا لمثلها! مُشيحَ العزم في الإقدام ثانيةً عليها! لم يُثنِ عزمه ما بارحه من البرحاء، ولا يكسر من حدّه ما شاهده من فرط العناء، فيبتديها جديدةً، ويَفِرُّ عنها جذعةً، ويستقبلها مستأنفةً، كأنه لم يذق لها مرارةً، ولا رأى من دلائل نصبها أمارة، وهل هذا إلا صنعٌ إلهيٌّ وأمرٌ ربّانيٌّ، ودلالةٌ لا تشوبها شبهةٌ، ولا تمرُّ بها مرية، تقوي بصيرة المستبصر، وتسدّد فكرة المتفكّر، فيا لهذه النفس التوّاقة لبيت الله العتيق، ومشهد الكعبة المعظّمة، لا يزيدها فرط العناء في النفوس إلا حُبًّا وتوقًا.”