أشرقت شمس يوم عرفة، تصاعدت التلبية” لبيك اللهم لبيك”، نداء يهزّ القلوب استسلامًا لله. تملؤني الأحلام والتوقعات، سمعت أن الحجّ يعمّق الحياة.ولا يعود المرء ينظر للعالم كما شاهده من قبل.
أقف حاسر الرأس، في ملابس الإحرام. بين حشد المحرمين في ملابس بيضاء، حاسري الرؤوس. من القارّات الثلاث. وجوهنا كلنا متّجهة لجبل الرحمة البارز من وسط السهل الواسع. هنا أكبر تجمع لعقيدة دينية مؤكدة للحياة، في تاريخ الإنسانية.
كأنما يظهرعلى سهل عرفات كلّ البشر الذين مرّوا به منذ بداية الإسلام، وتضج منه أصوات ملايين النساء والرجال الذين ساروا بين مكّة وعرفات عشرات من القرون قضت. استيقظت أصواتهم، وأصوات الدوابّ التي ركبوها.
يجتمع الحجاج في يوم من العام، كتذكرة لهم بآخر تجمّع، حين يكون على كل امرئ أن يجيب أمام الله بما فعله في حياته.
كأن موجة هائلة فوق الرؤوس” الله أكبر الله أكبر” تتدفّق. يتجاوز كلّ إنسان هنا، عالمه الخاصّ إلى عالم أرحب. يقف كل واحد أمام النعم التي وهبها الله إياه وقفة فرح، وحرّية، يتذكّر الله ويعاهده أن يحيا حياة متجددة.
أنا نقطة ضئيلة في بحر.
لئن كان هنالك مشهدٌ يخلب الّلب، فهو أن ترى مئات الآلاف، في لباس التواضع والتجرد من الدنيا، تبلل الدموع وجناتهم، يطلبون الله الصفح لبدء حياة أخرى، يعاهدونه أن يحيوها متجددين.
أتيت من الهند، وأتى الناس من الشرق والغرب والشمال والجنوب، من كلّ الجهات الأربع، لا أعرف اللغات هنا. منها مالاوية،بنغالية، برتغالية، صينية، وآلاف من اللغات الأخرى، بعضها أشك في انقراضه.
يقف كلنا مشدوهًا من هالة الوقار التي تحيط الحجاج.
تنهال دموع الحجّاج، أوشكت الشمس على غروبها، والحجّ عرفة كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وأرى عجوزًا يرتجف، وشابًا يبكي بكاءً شديدًا، بعضهم يردد أدعية جماعيّة، وآخرون استفردوا بأنفسهم، ومدّوا أيديهم.
غربت الشمس، وحان وقت العودة، وانطوى يوم عرفة. أسمع “يارواجا، يارواجا”، “ياعوف، ياعوف”، يا “حرب، ياحرب”. ومن أقصى الجناح الشرقي للحشود المندفعة ينادي مناد “ياحاجّ، ياحاجّ” “ياعبد الله” ليعلن أن الجميع على بساط واحد، عباد لله، متساوون، لافرق بينهم. .