جوزيف بيتس رجلٌ إنجليزي، وُلد في مدينة إكستير الساحلية، وهذا ما يفسّر ولعه الشديد بالسفر في الخامسة عشرة من عمره. بعد رحلات قصيرة قام برحلة إلى نيوفاوندلاند، فوقعت سفينته في الأسر على يد قرصان جزائري. في الجزائر بيع جوزيف بصفته عبدًا! لم يحاول مالكه الأول إدخاله للإسلام، بينما حاول مالكه الثاني بكل الطرق العنيفة أن يُسلم فأسلم. كان يراسل والديه في هذه الفترة، ولم يكن مقتنعًا بالإسلام، ويخفي نصرانيّته.

قام بيتس في عام ١٠٩١هـ بزيارة مكة مع مالكه الثالث، الذي كان يعامله -على عكس سيديه الأولين-بلطف. رحلا بالبحر إلى الإسكندرية ومن هناك إلى القاهرة، ثم عبرا الصحراء إلى السويس، ثم استقلّا السفينة إلى جدة. لبس بيتس الإحرام، ولحظ بعينين خاشعتين ظهورهم المحروقة بالشمس اللاّهبة. لم يؤمن بما يقوم به إخوانه الحجاج لكنه لم يتمالك نفسه من ذرف الدموع على حماسهم الإيماني. قبّلوا الجمال التي كانت تحمل كسوة الكعبة، وتحدّث في مكة عن ماء المطر الذي فاض حتى غمر سقف الكعبة من شدة التدفّق. تدافع الحجاج تحت الميزاب ليأتوا تحته ليشربوا منه أو حتي ليجمعوه لوقت لاحق.

ثم تحدّث عن رمضان في مكة، وعن امتناع المسلمين عن الطعام والشراب، وأخذ يحدّث عن قصة فطره في نهار رمضان سهوًا، وموقف المسلمين من ذلك! ثم وصف لنا القوافل التي تدخل إلى مكة موسم الحج، كانت هناك أربع قوافل «تتقاطر إلى مكة معًا» القافلة المصرية مع كسوة الكعبة، والقافلة التركية عبرالأناضول ودمشق، والقافلة الهندية وتأتي محملة بالبضائع الثريّة، والقافلة المغربية برًّا من مصر. توقُت الأخير – القافلة المغربية – في كل مدينة لكي تجمع الحجاج. وكانت تُستقبل بالتهليل وهتافات الفرح، وكانت النساء يخرجن من أسطح المنازل يهلّلن ويزغردن. تساءل: كيف لمدينة صغيرة كمكة أن تستوعب عددًا كبيرًا كهذا؟. مع أنه لم يكن معجبًا كثيرًا بمكة.

مكث بيتس أربعة أشهر بمكة مع مالكه، ودخل الكعبة مرتين. وبينما كان في ساحة الحرم وبَّخه أحد الأتراك لأنه كان مستلقيًا وكانت قدماه باتجاه الكعبة. كتب بيتس عن عرفات قائلًا: «إنه مشهدٌ يقطّع القلب بالفعل أن ترى آلافًا مؤلفة من الناس برؤوس حاسرة ووجنات مخضبة بالدموع، وأن تسمع آهات وشهقات محزنة، يتوسّلون بإلحاح ليغفر الله ذنوبهم، وهم يقطعون الوعود بتجديد حياتهم».

عاد مع سيده للقاهرة، بعد أن توقّفا في المدينة للسلام على النبي ﷺ، ومن القاهرة تحركا إلي الإسكندرية، ومن هنا بدأت محاولات بيتس للعودة إلي بلده، وبالرغم من أن مالكه قد أعتقه في مكة، فإنه قد قرر أن يبقى معه، ولم يكن بمقدوره أن يغادر الجزائر، خشية أن يُقبض عليه هاربًا. وبعد عدة وساطات تركية وإنجليزية ثقيلة هُرِّبَ بتس على متن سفينة جزائرية لتركيا، ومنها إلى – عبر أوروبا – إلى بلده.. سجد بيتس عندها وقبّل الأرض.قضى بيتس ١٥ سنة في الجزائر، وسنةً أخرى في طريقه لوطنه الأصلي. وصل إكستر سنة ١١٤٨هـ. ولا يُعرف تحديدًا متى توفّي.