وممن كان له أمام مشهد البيت قصّةٌ روحانيّةٌ، ومراجعاتٌ إنسانيّةٌ، المانسا موسى، إمبراطور دولة مالي، أغنى أغنياء الأرض في زمانه، الذي حجَّ عام ٧٢٤هـ/ ١٣٢٤م، ولكنه لم يدوّنها، وقد خصص هذا الحدث الكبير بالتأليف عام ١٩٧٥ الأستاذ إبراهيما بابا كاكي السنغالي، فيروي باستطرادٍ أدبي:” لقد دخل الإمبراطور البيت الحرام يوم الجمعة خامس ذي الحجة (٢٣ نوفمبر) وقام بطواف القدوم سبعة أشواط. ابتدأها من الحجر الأسود و سعى بين الصفا والمروة ثم حضر خطبة موسم الحج ويذكر الناس بما عليهم من واجبات المناسك.

ثم توجه مانسا إلى منى متبعا الخطوات نفسها التي سلكها النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قام بكل ما تفرضه عليه المناسك، منقطعا إلى الصلاة والعبادة والتوسل بين هذه الحشود الخاشعة الضارعة إلى رب الأكوان.

و من غير أن يتحدث كاكي عن الموقف يوم عرفة الذي كان يصادف الاثنين (٢٦ نوفمبر) ولا عن الخطيب ولا عن المزدلفة ورمي الجمرات، لأنها عبادات شخصية بين العبد ومولاه، يعود ليذكر أن الإمبراطور رجع إلى مكة ومعه شيخ سدنة الكعبة الذي كان مالكي المذهب، حيث يتفرغ للعبادة ويتفحص البيت الحرام، وهنا يذكر أن الكعبة كانت تكتسي رداء أسود يغلفها من سائر الجهات.

و تنص الإفادة على أن باب الكعبة كان “مصفحا بصفائح الفضة، بديع الصنعة، تعلوه عضادة من الذهب الخالص، وقد نقش على الباب بعض الآيات بالذهب الخالص كذلك”.

لقد اعتاد الإمبراطور كانكو موسى أن يجلس في الظلة على عقبيه يرتدي إحرامه الأبيض، إذ وجد نفسه في أعظم بيت مقدس عند المسلمين على وجه الأرض. كان يشعر بحالة روحانية لم يعشها في حياته، كان يتوسل و يتلو آيات من القران الكريم.
كان الإمبراطور كانكو موسى يقضي وقته في التأمل مستعرضًا حياته الماضية، هل كان يحكم بعدل وحكمة؟ وهل ارتكب ذنبًا أم اقترفَ جُرمًا دون علم؟ كم من قوم ظلمهم وهم لا يستحقون ذلك؟ كم من بريء لقي حتفه ف الحروب التي أمر بها؟ كيف يمكن التمييز بين هذا وذاك؟ كيف يمكنه أن ينسى موت والدته وقد كان هو سبب وفاتها من غير شعور؟ (ماتت والدته من نفاس). تحت ثقل الذكريات ضرب صدره بيده صائحا: الله!الله!الله! لماذا مكنتني من الحكم؟ وإذا كان حكمي جائرا فلماذا يسمح لي بأن أبقى على وجه الأرض؟

منذ هذا الوقت، وأول مرة في حياة الإمبراطور، قرّرَ أن يصبحَ رجُلا عاديًّا كسائر الناس، بلا سلطة ولا مسؤولية. كان يشعر باضطرابٍ داخلي كبير، و لم تعد إليه الطمأنينة إلا عندما يأخذ في الصلاة أمام الكعبة“

الكلُّ أمام عظمة البيت العتيق سواسية، كبيرهم وصغيرهم، حاكمهم ومحكومهم.. يكسوهم البياض، وتحدوهم رغبةٌ في نيل الغفران والرحمة من ربٍّ رحيم.