لمشهد البيت الحرام في نفوس المؤمنين وقعٌ مهيب، تخرُّ منه النفوس خشوعًا، وتسقط في الصدور أصنام الأغيار، فرؤية البيّت تذكّر بصاحب البيت -جلَّ وعزَّ-. ورحّالتنا اليوم، أحد العلماء الذين أطبق أهل قطره على تقديمه، وتحليته بأفخم الألقاب، فهو بلا شكٍّ عالمٌ كبير، يظهر ذلك من ثنايا رحلته التي دوّنها، وسمّيت بـ“الرحلة الورثيلانية“، وصاحب الرحلة هو الشيخ سيدي الحسين بن محمد الورثيلاني الجزائري (١١٢٥- ١١٩٣هـ). ويعنينا من رحلات أهل الحجِّ في سلسلتنا هذه، بواعثُهم التي أنهضتْ أحوالهم لقطع المفازات المُهلِكة، وتكبّد المتاعب المُهْتِكَة، وكذلك التماس انطباعات مشهد الكعبة إذ يصافحونها بأعينهم، وارتسامات الحرم إذ تأخذ بألبابهم نسائمه.

نمضي مع صاحب الرحلة إلى باعثه على هذه الرحلة فيقول بعد مقدّمة عذبة:

“وبعد، فإني لمّا تعلّق قلبي بتلك الرسوم والآثار، والرِباع والقفار والديار، والمعاطن والمياه والبساتين والأرياف والقرى والمزارع والأمصار، والعلماء والفضلاء والنجباء والأدباء في كل مكان من الفقهاء والمحدّثين والمفسّرين الأخيار.. أنشأتُ رحلةً عظيمةً، يستعظمها البادي، ويستحسنها الشادي“.

ولم يكن هذا سببه الوحيد، وباعثه الفريد، بل كان أن عزم جماعةٌ من الأشياخ من أهل بلدته أن يحجّوا للبيت، فعزم معهم، وعدَّ اجتماعهم على الحج علامة على القبول ”نعم، علامة القبول موجودة، ودلائل الخير حاصلةٌ إن شاء الله. كيف لا إذ لم يسافروا إلا حبًّا في الله ولله ومن الله؟ وشوقًا في رسوله ﷺ؟“

فنمضي معه في رحلته مذ خرج من بلاده قاطعًا الفيافي والقِفار، حتى وصل إلى أعتاب البيت العتيق، مكدود الجسد، منهوك الخاطر، فأتته البشارة برؤيا البيت، يقول:

”فدخلنا مكّة -زادها الله تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا- فلم تغادر في النفس ترحة، وأزالت عن الجفون كل فرحة، فدخلناها في زحمة عظيمة كادت النفوس لها أن تزهق، غير أن سرورها بالوصول إليها خفف بعض الألم، بل قد أزال التعب والنصب، كأن النفوس في وليمة عظيمة لا يعلمها وما فيها من الفرح إلا من منحه الله، بل الأرواح قد تجلّى عليها ربُّها فَخَرَّتْ صَعِقَةً مغشيِّةً عليها، فغيّبها عن الأكوان كلّها بمشاهدة مكوِّنها، ومن جملة من غابت عنه، هذا الغيب، فلم تكترث بما أصابها من الهم والمشقة، فلمّا هبَّ نسيم جوار الحبيب عليها أيقظها وأشهدها رسوم مكان الوصال، ودلائل الحضرة وسواطع الانتقال، فعلمتْ رب البيت، وتعلّق به الجَبح واللُّبُّ، سدل كل حبيبٍ سوى هذا الحبيب وراءه، فأقام كأس الجوار وأداره، وصار شذاؤها انتظاره، فهبطنا منحدرين إلى إن وصلنا قرب البيت فدخلنا المسجد من باب بني شيبة، فأفاض الله علينا من جوده كرامةً وهيبةً، فظفرنا بالأمن والأمان والسلام من باب السلام.. فشاهدنا البيت العتيق الذي تزيح أنواره كل ظلامٍ، وقد تدلّتْ أستاره، وأشرقتْ أنواره، وقد شُمِّر البرقع عن أسافِلِه، حتى لا يكاد الطائف يناله بأنامله..“

فتأمّل كيف أحالتْ رؤية البيت الوعثاء إلى جلاء، والتعب إلى فرحٍ وسرور، وانقطاع إحساس الأجساد إلى اتصال شديدٍ للأرواح مع صاحب البيت -جلَّ جلاله-. اللهم زد هذا البيت تعظيمًا وتشريفًا.