في عام 1953 م، وبعد ما حققه الملك عبدالعزيز من جهود في توحيد المملكة العربية السعودية بشكلها الحالي، وتوحيد النظام النقدي فيها. كان ينظر لما هو أبعد من ذلك بكثير، خصوصًا في ظل التطورات الاقتصادية المتلاحقة حينها وتنامي إيرادات الدولة بشكلٍ كبير، وتحديدًا في موسم الحج.

 

في تلك الأيام، كانت العملات المعدنية هي العملات الأساسية والمتداولة، وقد لوحظ صعوبة حملها والتنقل بها على الحجّاج، فما كان من الملك عبدالعزيز ومؤسسة النقد إلا أن يفكروا في طريقة أكثر ابتكارًا لتسهيل أمور الحجّاج الذين يلاقون مشقة ليست بالهينة من حملهم للريالات الفضية الثقيلة. وهنا كانت الخطوة الأكثر جرأة في نظام النقد السعودي، والتي تمثلت بقيام مؤسسة النقد بإصدار ما عرف آنذاك بإيصالات الحجّاج، من فئة العشرة ريالات.

 

طُبع من هذه الإيصالات خمسة ملايين نسخة، كطبعةٍ أولى وتجريبية، كتب على هذا الإيصال عبارات متعددة باللغة العربية والفارسية، والإنجليزية، والأردية، والتركية، والملايوية. كانت تحفظ لصاحبها قيمة هذا الإيصال من الريالات الفضية السعودية. ورغم تخوّف المؤسسة، إلا أن هذه التجربة لاقت رواجًا وصدىً واسع بين حجّاج البيت الحرام، وعلى العكس، نالت هذه الفكرة ثقّة الناس في السوق السعودي المحلي من التجّار والمواطنين. رواج الفكرة أمتدّ إلى أن أصبحت هذه الإيصالات كنماذج وهدايا يأخذها الحجّاج للخارج، مما استدعى وزارة المالية والاقتصاد بحظر إخراج هذه الإيصالات إلى الخارج للاستخدام التجاري.

 

بعد نجاح فكرة الإيصالات الورقية، عادت المؤسسة في موسم الحج العام التالي 1954م،  إلى إصدار ثلاث فئات: العشرة ريالات، والخمسة ريالات وفئة الريال الواحد. لم يقتصر الأمر هنا فقط، بل بعد هذا النجاح، استمر المواطنون والحجّاج في تداولها ولم يستبدلوا تلك الإيصالات بالعملة المعدنية.

 

لاحقًا، أُصدرت عملة الريال السعودي الورقية بشكلها المتعارف اليوم من فئة: 1، 5، 10، 50، 100.  بعد تجربة إصدار وتداول إيصالات الحجّاج.

 

أيضًا، الحج لم يكن سببًا في نشأه الريال الورقي فحسب، بل حتى في ارتفاع سعره، فبعد أكثر من 60 سنة، يصل اليوم إلى مكة آلاف من الحجّاج في موسمٍ واحد، يجتمعون في أيامٍ معدودة لأداء مناسك الحج، ليشكلون بذلك مليونية من الجموع المسلمة، تضاعفت أعدادهم عشرات المرات عن أيام الملك عبدالعزيز. يأتون من بلدان متعددة، يتحدثون لغات ولهجات مختلفة، بطبقات مادية، وفروقات ثقافية واجتماعية كثيرة. والأهم أنهم يأتون بعملات مختلفة لتصرف بالريال السعودي الورقي، مما يزيد الطلب عليه، وارتفاع سعره، وانتعاش سوقه.

 

فحجم ما يتم شراؤه من الريال السعودي اليوم خلال موسم الحج يعادل ثلاثة أضعاف ما يتم شراؤه على مدار العام. أما عن العملات التي تصرف لدينا اليوم، فالحجاج الوافدين من إندونيسيا يفضلون أن يأتون بعملتهم المحلية عوضًا عن إحضار الدولار، نظرًا لارتفاع الضرائب في إندونيسيا. والحجاج الوافدين من أوربا وشمال إفريقيا فيكون اليورو خيارهم، فيما يكون الخيار الأول للجنسيات الأخرى هو الدولار الأميركي. وعن العملة الوحيدة التي يمنع تداولها، هي الشيكل الإسرائيلي، فيحرص بذلك الفلسطينيون على استخدام الدولار أو الدينار الأردني.