هل عرف المكِّيُّون الثلج في عصورٍ متقدمة قبل أن تُصنع الثلّاجات؟

إن أقدم ما وثّقه المؤرخون المكيُّون عن تاريخ صناعة الثلج في مكة، كان ما ذكره الكرديُّ في «تاريخه» من أن أول مصنعٍ للثلج في مكة كان الذي افتتحه الحاج نسيم الشامي قبل مئة سنة، وذلك عام ١٣٣٨هـ بجهة سوق المعلاة، في طرف مقبرة المِعلاة، قبل أن يشتريه منه الشيخ عبدالله باحمدين -رحمه الله- وينقله إلى أم الدُّود (أم الجود) في طريق جدة القديم. ثم تلا هذا المصنع في العهد السعوديِّ مصانع عديدة، أوّلها مصنعُ الأخوين صدقة وسراج كعكي، حيث كان ابتداء تشغيل هذا المصنع في عام ١٣٧٠هـ ومحلُّه جرول، ثم تلاه مصنع الشيخ عبدالله كعكي الذي أقامه ناحية المسفلة عام ١٣٧٥هـ، تلاه بسنتين مصنع الشيخ طه خيّاط عام ١٣٧٧هـ ناحية الشّشة بين مكة ومنى، ثم افتتح الشيخ محمد عمر سعيد مصنعه عام ١٣٧٩هـ في حوض البقر (العزيزية) وهي اليوم حيٌّ معروفٌ بين مكة ومنى.

لكن مكّة عرفت الثلج قبل هذه التواريخ بأكثر من ١٢ قرنًا وذلك في أيّام الخليفة العباسي أبي عبدالله المهدي سنة ١٦٠هـ، يقول المقريزيُّ في «الذهب المسبوك»: ”وحجَّ في سنة ستين ومئة.. فلمّا قدم مكة نزع الكسوة عن الكعبة عندما رفع إليه سدنة البيت أنهم يخافون على الكعبة أن تنهدم لكثرة ما عليها من الكسوة.. وحَمَلَ محمد بن سليمان الثَّلجَ إلى مكّة، وهو أوّلُ خليفةٍ حُمِلَ إليه الثلجُ إلى مكّة“.

أمَّا اليوم فمصانع الثلج منثورة في أرجاء مكة، يستفيد منها الناس في الحج وفي غير مواسم الحج، يبردون بها أكوازهم، حتى إنهم نسوا كيف كان يُحفظ الثلج قديمًا، فالطفرة الصناعية أودت بكثير من الصناعات التقليدية التي كانت تزخر بها مكة، كصناعة الفخّار؛ لتبريد المياه، وأودعت الثلج في رفّ الكماليّات والرفاه.