الأغنية كلمةٌ ولحنٌ وعاطفةٌ، وهي بهذا التوصيف مجموعٌ بسيطٌ، لكنها عند التحقيق أجزاءٌ معقّدة. فالكلمة مفردةٌ تطوي تحتها أبوابًا من الموضوعات والرموز، واللحن علمٌ موسيقيٌّ أصواتيٌّ تحكمه كيمياءُ الروح، وتوجّه العاطفة. ولم تزل الأغنية على جميع مستوياتها النخبويّة والشعبيّة حفيدة الدّين، وابنة العقيدة، فالفنّ كما – يجادل بيجوفيتش في «الإسلام بين الشرق والغرب» – منتجٌ دينيٌّ خالصٌ تطوّر عبر السنوات لفلوكلورات ثقافيّة تميّز الهويّات، والحضارة – حسب قوله – منتجٌ علمي، وأن الحضارة لا تنتج الفنون إلا خلال الدين.

والحجُّ ركنٌ من أركان الدين الإسلامي، وهو على عكس بقية الأركان، ركنٌ يستلزم السفر والانتقال إلى مكة المكرمة، وهنا ميزةٌ عاطفيّة للحج، فهو يأتي في آخر سلّم الأولويّة مع كونه ركنًا، ومعلّقًا بالاستطاعة لمشقّته. والعاطفة الدينية وحدها في كثير من الأحيان هي ما يهوّن هذه المشقّة، بل هي ما يعيد الشوق جذعةً في نفس الحاج إلى الديار المقدّسة فور وصوله إلى بلاده، وهذا مشهورٌ في نصوص الرحالين من الحجاج. هذا غير ما ينتجه السفر للحجّ من ابتعادٍ عن الأهل والزوج والولد والبلد، فتجدُ الحاج على راحلته موفور العاطفة شديد الشوق إلى البلد الأمين، وفي نفس اللحظة إلى أهله ووطنه. وأهله في بلده يغالبون حنينهم إلى البلد الحرام بكفكفة دموعهم على فراق الحاجِّ منهم. فإذا وصل الحاج إلى البلد الأمين، وقضى نسكه، وانطبعت صور البيت في قلبه، تنامت فيه عاطفة محبّة وإلفٍ، غير الخفّة التي يجدها بعد الفراغ من نسكه، فتجده ثقيل الخطى وقت الوداع لولا رابطةٌ من شوق بينه وبين بلده وأهله. فنجد أنَّ عاطفتين تنامتا في قطرين، قطر بلد الحاج، والقطر الذي أتاه الحاج، وهذه من محركات الفنون التي تصنع الذاكرة الفنيّة للأمتين الإسلامية والعربية.

وقد زخرت المكتبة الموسيقية العربية بأغانٍ عظيمة عن الحجِّ، لعل أهمها ما غنّته ”كوكب الشرق“ أم كلثوم للحج، ولأم كلثوم أغنيّتان لامعتان عن الحج: إحداهما من كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي وهي ”إلى عرفات الله“ والثانية هي أغنية ”القلب يعشق كل جميل“ من كلمات ”أمير الزَّجل“ بيرم التونسي، وكلتاهما من ألحان الفذُّ رياض السنباطي، عرّاب الألحان الدينية. وبعد سنتين من تلحينه ”إلى عرفات الله“ لحّن السنباطيُّ عام 1953 أغنية عن الحج للفنانة ليلى مراد، التي خرجتْ بعد طلب من أبي السعود الأبياري إثر شائعات عن ديانة ليلى مراد، فصدحت بأغنيتها ”يا ريحين للنبي الغالى“ بوصفه أفصح جوابٍ عن هذه الفرى.

وقد سبق هذه الأغنيات أغنيات كثيرة تبنّتها الإذاعة المصريّة، ونفّذتها شركة مصر للتمثيل والسينما بما توفّر لها من الإمكانيات، فاستعانت ببعض الملحنين من ذوي النشأة الدينية مثل زكريا أحمد وأحمد عبدالقادر ومحمد الكحلاوي لتلحين تلك المجموعة من الأغنيات، بل إن أحدهم وهو محمد الكحلاوي – الذي يقال أنه حج 40 حجة متوالية- نهض بتأليف وتلحين واحدة من تلك الاغنيات وغنائها، وهي أغنية «اشتياق الحجاج» التي أذيعت في 26 أبريل 1936. 

وممن غنى للحج أسمهان، أغنيتها البديعة ”محمل الحج“ من كلمات بديع خيري، وألحان أخيها الموسيقار فريد الأطرش، سنة 1943. 

ولم تنته الإنتاجات الفنية عن الحج حتى اليوم، سوى أنها لم تعد بتلك الكثرة التي صاحبت الجيل الذهبي للفنانين، ولا بالجودة والنَّفَسِ الراقي الذي يناسب مقام ركن الحج وعمق العاطفة تجاهه في قلوب المسلمين.